الرواية انتصرت على الشعر والفلسفة

النص الروائي ليس مادة جامدة نحتت في وقت ما وكفى، بل أصبح حالة من التفاعل المتعدد الرؤى والتأويل والدلالة.
السبت 2018/10/13
الكتاب تناول البطل الشعبي في روايات نجيب محفوظ

القاهرة - لعل العلاقة بين الرواية والروائي هي صلب ما يعبر عنه، ويتصدى له النقد تجاه هذا الفن، ابتداء من نشوة الفكرة كمرحلة أولية يتحاور فيها الواقع مع المتخيل، إلى تجسيد هذا الواقع والمتخيل وخروجه إلى حيز الفعل الروائي الناطق بصور الحياة وتنويعاتها المختلفة في نسق إنساني، يحمل الإجابة على الكثير من الأسئلة التي تدور في الأذهان.

إن الروائي الذي يبحث عن قانون الرواية، ويتأهب دائما إلى الدخول إلى عالمها المتوازن الرحيب غالبا ما يجد نفسه في مختبر مكدس بالمعلومات والعلاقات المتبادلة بين المتخيل والواقع، والتاريخ والإنسان، والزمان والمكان، والأرض والسماء، والأبيض والأسود، والكثير من الثنائيات والمتناقضات التي تحمل دلالات الواقع المعيش، ولعل ذاتية الروائي تظهر بصورة أو بأخرى في الكتابة السردية وهي ما يسمى بالإبداع الواعي. هذا ما يسعى لتأكيده الناقد شوقي بدر يوسف في كتابه “الرواية والروائيون.. دراسات في الرواية المصرية” الصادر عن وكالة الصحافة العربية – ناشرون.

يقول شوقي بدر “إن عظمة الرواية تكمن في أنها بدءًا من إطلالاتها الأولى عند الرواد أصبحت بمثابة الفعل الحياتي، والتصوير الدقيق لأفق الواقع اليومي للإنسان وممارساته، ومواقفه مع ذاته ومع الآخرين، حيث أصبح الفعل الروائي من أعظم الاكتشافات التي حققها الإنسان لملاحقة كافة أشكال التطور الفكري والأدبي، والتفاعل على صعيد العلاقات مع البشر”.

 وتأسيسا على ذلك فإن الفعل الروائي أخذ يقوم بنفسه بمهمة صعبة، وهي التعبير عن الحياة، والتأكيد على دلالاتها باعتبارها تيارا متجددا متحركا معقدا، أخذ يسمو انطلاقا من هذا المفهوم على أجناس أدبية أخرى كالفعل الشعري والفعل الفلسفي اللذين يحددان أنشطتهما في الشعر والفلسفة فقط، في حين أن الروائي لم يكتف بحصر نفسه داخل مفهوم خاص وثوابت جامدة لا تتحرك، بل على العكس من ذلك، إذ إن الفعل الحكائي الذي يمارسه الحكواتي يشمل الحياة بنبضاتها، ومردودها، ومرجعيتها، ولغتها اليومية المحكية والمروية، وكلما تضاعفت رعشة الحياة، وارتفعت نبرة الحوار، والجدل الذي تفرضه عبثية الحياة، وحسها الفوضوي المستمر، تحولت الرواية إلى تعبير حياتي متجدد ومتطور.

 وعلى هذا يقر الناقد أن الرواية تمكنت من سحب نفسها من دائرة الجمود والانطلاق في فضاء رحب متحرك، ولم يعد النص الروائي يتضمن مادة جامدة نحتت في وقت ما وكفى، بل أصبح حالة من التفاعل النشط، المتعدد الرؤى والتأويل والدلالة، وأصبحت المهمة الملقاة على عاتق الروائي تجعلنا ننخرط في عالمه التلقائي الذي يصنعه لنا، وأن نعايش ما هو مرصود داخل فعله الحكائي، وما هو متصل بشخوصه ومواقفه وأحداثه.

الرواية تمكنت من سحب نفسها من دائرة الجمود والانطلاق في فضاء رحب متحرك،
الرواية تمكنت من سحب نفسها من دائرة الجمود والانطلاق في فضاء رحب متحرك

 وكما يقول ميخائيل باختين عن الروائي بأنه “منتج للمعرفة، ومحاور لثقافته ولمجتمعه”، ومن ثم فإن إنتاجه لا يمكن أن يكون مادة ‘محايدة’ تتلقفها الأسلوبية التقليدية لتصفها لسانيًا، أو تبرز مدى تفردها التعبيري والمعجمي، فالرواية جسم مركب من اللغات والملفوظات والعلامات، والروائي هو منظم علائق حوارية متبادلة مع اللغة، والأجناس التعبيرية بين لغة الماضي ولغة الحاضر والمستقبل”.

 إن خصوصية الرواية عنده تتلخص في أنها جزء من ثقافة المجتمع، وهي تتكون من خطابات تعيها الذاكرة الجماعية، وعلى كل واحد في المجتمع أن يحدد موقعه وموقفه من تلك الخطابات، وهذا هو ما يفسر حوارية الرواية القائمة على تنوع الملفوظات واللغات والعلامات. ومن هذا المنظور لا تظل الرواية صنعة وعناصر تقنية تكتسب، إنها قبل كل شيء إدراك لأهمية اللغة، واللغات داخل المجتمع، وفي التراث المكتوب والشفهي، وصياغة للحوار بين الذات الساعية للمعرفة وبين العالم الخارجي، وفي جميع “المظاهر” في الحياة، كما أن في الرواية تسعفنا الأحداث والمواقف والشخوص على قراءة الأيديولوجيات المحيطة بنا، خاصة إذا فهمنا الأيديولوجيا بالمعنى الذي عرفه باختين.

 وقد قدم الكتاب كذلك إضاءات نقدية لمجموعة من النصوص تم انتخابها كنماذج لرؤية خاصة عن علاقة الرواية بالروائي وهي علاقة جدلية حاول شوقي بدر إبرازها مما سبق نشره في الدوريات من دراسات عنيت أول ما عنيت بوضعية الروائي نحو فنه، وهي تمثل في الحقيقة نوعًا من التوحد بين الذات الكاتبة، وما كتبت.

ومن الموضوعات التي تناولها الكتاب: البطل الشعبي في روايات نجيب محفوظ، لطيفة الزيات والبحث عن الزمن المفقود، القرية وعالم يوسف القعيد الروائي، سطوة المكان والواقع المهمش في رواية “ليالي غربال”، الأنثربولوجيا ورواية التاريخ “نوة الكرم” نموذجًا، إشكالية الاغتراب في الرواية المصرية، وغيرها.

وقد قام الناقد بتحليل نماذج اختارها من كتابات بعض الروائيين ولكنها ليست كل الرواية، فعالم الرواية من الرحابة والاتساع ما يعجز الروائي والناقد والمتلقي أن يلم به كله، لذا فهي محاولات تمثل حالة من العلاقة بين الروائي وبين روايته.

14