الرواية عمر مديد

ينتمي حنا مينة إلى زمرة الروائيين القادمين إلى الكتابة من معترك العمل اليدوي وفن مكابدة الدروب والوجوه والشهوة والظمأ.
الأربعاء 2018/08/29
الروائي المتزن العميق والشجاع

جعلني حنا مينة أفكر أن ملاحقة الأسماء والمدن والخطوب والأسر والمجتمعات، وتطريز حكاياتها والتأريخ لذاكرتها السرية تطيل فسحة العيش، وأن العمر المديد والروايات المتلاحقة صنوان، كنت أعتقد باستمرار أن نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز وفليب روث احتاجوا لعمرين للتخفف من أثقال الذاكرة والخيال، فالعقود الطويلة في العمر هبة وجزاء، إنما هي محنة أيضا، بمعنى ما، لا أنسى تعبير نجيب محفوظ في وصف أصداء سيرته الذاتية وهي من آخر ما كتب “أريد أن تستر ضعفي”.

وفي لقطة مماثلة تدل على قنوط بالزمن سربت وصيتا ماركيز وحنا مينة قبل وفاتهما بمدة، كما ترددت شائعات عديدة حول موتهما، لعل المشترك في الوصيتين معا هو استرسال الصوتين في السرد المتأمل والتركيز على قيم حياتية أثيلة في الروايات، رسالتان للقارئ ليستا عن الموت وإنما عما ينبغي أن يكون وعي القارئ الحي به وبالحياة بالأحرى، دونما شعور كارثي أو حسرة أو شهوة للخلاص. الطهرانية نقيض الرواية المعجونة بالتوق للاسترسال، لهذا يتطلع الروائي المعمّر، في سطوره الأخيرة، إلى راحة النفس، أكثر من أي شيء آخر، بعد شبع صادق من فتن خصيبة عيشت لتُروى.

تلفت الانتباه عبارة لا تخلو من سخرية في وصية حنا مينة، تقول: “عمرت طويلا حتى صرت أخشى ألا أموت”، تختزل جوهر الروائي المتزن العميق والشجاع على حد سواء، فبخلاف القادمين إلى الكتابة الروائية من مسارات مهنية وأكاديمية مختلفة، وتجارب حياتية مرفهة بمعنى ما، ينتمي حنا إلى زمرة الروائيين القادمين إلى الكتابة من معترك العمل اليدوي وفن مكابدة الدروب والوجوه والشهوة والظمأ، التعلم نفسه تجلى بما هو وسيلة نورانية لا تمت بصلة لتحصيل القوت، تشبه حياته حياة فنانين انطباعيين ممن تحول في اعتقادهم التعبير إلى هوية وانتماء، يمكن أن يأخذ صاحبه إلى تخوم قصوى، دون عجلة في التطلع إلى ما بعد من تحقق.

في إحدى دورات ملتقى القاهرة للإبداع الروائي، تجلت سجايا حنا تلك مقترنة بمرح أصيل وبديهة كاشفة؛ كان أن طلب روائي، شغل الناس، من المنظمين أن يفردوا له مجلسا للحديث وحده، بخلاف العادة، استجيب للروائي المتوحد، وبدأ يتحدث عن الوجود والإنسان والموت… بلهجة قديس وسطوة نبي، كان كلامه منطويا على قدر كبير من التعقيد والتعالم والزهو بما أوتي من فتن، وعند انتهائه ناقشه المرحوم حنا ببساطة جليلة وأخاذة، دفعت صاحبنا إلى الرد بغير قليل من التهور، حينها اكتفى حنا مينة بالرد: “دعني إذن أنحني لعبقريتك سيدي الكاتب”.

15