الرواية في قلب الظلام

الروائية الكويتية رانيا السعد سعت في روايتها الجديدة “حتوف مراوغة” إلى تعرية التفكير الظلامي من خلال التغلغل في أجواء تمدّد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في بنية المجتمع الكويتي.
الاثنين 2018/03/12
صبحي موسى حاول تفكيك الفكر الظلاميّ في روايته "أساطير رجل الثلاثاء"

يبدو الفكر الظلاميّ وحشا متغوّلا، مراوغا، لا يستجيب لمحاولات تدجينه، يتملّص من التعريف والتقييد، لذلك تتعدّد محاولات مجابهته من قبل الروائيّين وتختلف سبل مقاربته كخطوة في سياق فهمه وتعرية ما يكتنف مناخاته من غموض أو تناقض أو غرابة.

يكتسي الظلام حللا مختلفة، يشتمل على الممنوع والمحتجب والمعتّم عليه، وتراه بهذا يشكّل نقطة جذب للروائيّين لكشف أسراره وتبديده، ولعلّ الظلام كفكر يتقاطع مع الظلم كفعل في مآسيه التي يتسبّب بها لضحاياه، ويكون همّا مضافا إلى هموم الواقع السوداوي.

الظلام الذي يقاربه الروائي العربي في الوقت الراهن يختلف عن الظلام الذي صوّره الإنكليزي جوزيف كونراد في روايته “قلب الظلام”، تراه يصوّر تأثيرات الفكر الظلامي الذي يلقي بظلاله الكارثية على الكثيرين من ضحاياه، بحيث يفقدهم قدرتهم على المحاورة والمناورة، ويقيّدهم في سجون معتمة، يحوّلون رحابة الفكر إلى قيود معطّلة للعقل والمنطق.

مع تفشّي التنظيمات الإرهابيّة المتقنّعة بأقنعة الدين والمشوّهة لسماحة الإسلام المفترضة، في عدد من الدول العربية والإسلاميّة التي شهدت أوضاعا صعبة وحروبا أهلية، وجد الروائيّون العرب أنفسهم في مواجهة ظاهرة متنامية مثيرة للاهتمام والتفكيك، فاقتحموا هذا الميدان وحاولوا الإدلاء بدلوهم الروائيّ فيه.

كان السوريّ فوّاز حدّاد قد رسم شخصيات من أمثال أبي مصعب الزرقاوي القياديّ في تنظيم القاعدة في العراق في روايته “جنود الله”، بالتوازي مع عدد من الشخصيات المصاحبة له، كمحور من محاور اشتغاله في روايته الهامّة، وحاول كشف مزاعم الظلاميين وممارساتهم في حربهم المجنونة على الحياة والمستقبل، وتستّرهم وراء شعارات لا تخفي بؤسها.

المصري صبحي موسى في روايته “أساطير رجل الثلاثاء”، صوّر شخصية أسامة بن لادن، وحاول تفكيك الفكر الظلاميّ المتشدّد الذي أسّسه وكرّسه في تنظيمه، من خلال تقصّي هيكلية التنظيم وتخبّطاته ومساعيه للعودة بالناس إلى كهوف معتمة في تاريخ ينتزع من سياقه ويتمّ إسباغ صفات ظلامية بدوره على مختلف حقبه بما يتماشى مع قيود الفكر الظلامي نفسه.

الروائية الكويتية رانيا السعد سعت في روايتها الجديدة “حتوف مراوغة” إلى تعرية التفكير الظلامي من خلال التغلغل في أجواء تمدّد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين في بنية المجتمع الكويتي في عقدي الستينات والسبعينات من القرن العشرين، وتغوّلهم في التعليم ومحاولاتهم الحثيثة لبثّ أفكارهم المتطرّفة في عقول التلاميذ، وكيف استعانوا بوسائل خبيثة براغماتية لتنفيذ ذلك، وما أنتجه ذاك الفكر من تفريخ للإرهاب بعد عقود، وتهيئة للحاضنة الإرهابيّة الأكثر تشدّدا والمتمثّلة في تنظيمات كالقاعدة وداعش لاحقا.

يظهر الروائيّون في أعمالهم أنّ التاريخ يكون ضحية الفكر الظلاميّ، ولا ينجو من براثن أولئك الإرهابيين الذين يحاولون تطويعه وتحوير عِبره ودروسه ليخدم ما يبثونه من سموم وأحقاد في الواقع، وهم بذلك يساهمون في نشر الفساد بحجّة محاربته، والظلم والظلام بذريعة مواجهتهما، والموت تحت قناع البحث عن حياة أخرى متوهمة في فردوس يفصّلونه في خيالهم الموتور وفق مزاج مرَضي بائس.

15