الرواية في كتابة ثانية

الخميس 2017/07/13

هل يحق للمؤلف أن يعيد كتابة روايته وإعادة النظر فيها بعد فترة زمنية بطبعة لاحقة؟ فعدا التصحيحات اللغوية والطباعية هل يمكن للروائي أن يغيّر في مناخ سرديته قليلاً أو كثيراً بعد سنوات من طبعته الأولى؟ هل هو تصحيح جوهري أم عابر؟ أم استدراك ما فات المؤلف؟ أم توثيق جديد لأفكار مُستَجدة؟ وما جدوى مثل هذا التغيير بعد عقود من سنوات مضت على الطبعة الأولى أو الثانية أو الثالثة؟

هذا جدلٌ ليس جديداً كلياً لكنه يتكرر في فترات متقاربة أو متباعدة في جدوى (الكتابة الثانية) لرواية مضى على طبعها عدد من السنوات وتناولها القارئ وكتب الناقد عنها، وهو جدلٌ طبيعي في غالبيته مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك مَن يشكك في جدوى إعادة الإنتاج المطبوع على أساس أن (الكتابة الأولى) هي الكاشفة للاوعي الكاتب وطريقة تفكيره المباشرة، على أن تكون الكتابة الثانية هي الوعي أو المستَدرَك للأفكار، بل هناك مَن يصفها بأنها (الصناعة الواعية) لتخرج مثل هذه الأعمال بحُلّةٍ جديدة قد لا تشبه فطرة الكتابة الأولى أو في الأقل بعض أفكارها الجوهرية لا تشبه ما ورد في الطبعة الأولى أو الكتابة الأولى.

أمامنا شواهد وآراء كثيرة في السرد العالمي والعربي ترى أن الأمر طبيعي وربما مطلوب في بعض الأحيان، فالرواية أو أي عمل سردي أدبي هو بالنتيجة ليس وثيقة تاريخية يتوجب أن لا نمسها ونحافظ على كيانها، بل هي نص إبداعي ينبغي أن يخرج بصورته المثالية أو القريبة من هذا التصور لأن حرية الكتابة تبيح للمؤلف أن يعيد النظر في كتاباته متى شاء.

والنص الإبداعي قابل للتشكل مرة ومرتين وثلاثاً كما حصل مع رواية ” عشيق الليدي تشارلي” للورنس والتي شهدت عدة تغييرات قام بها المؤلف لحساب ضبطها سردياً ونفسياً لتخرج بصورتها الأخيرة، ولا بد الإشارة هنا إلى نجيب محفوظ الذي طوّر قصة “زعبلاوي” إلى رواية ضخمة أسماها “أولاد حارتنا” وسبق له أن أصدر “القاهرة 36” ثم أعاد كتابتها بعد أعوام لتحمل اسماً جديداً هو “القاهرة الجديدة”.

وفي الاستدراك العربي العراقي عمل فؤاد التكرلي على إعادة صياغة الحوار في روايته المعروفة “الرجع البعيد” إلى الفصحى بعد أن كان باللهجة المحلية الدارجة التي كانت عصيّة على القارئ العربي، كذلك أعاد جمال الغيطاني كتابة قصته المعروفة “مالك الحزين” وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى العالمي جيمس جويس حينما أعاد كتابة قصته “يوم شجيرة اللبلاب” في مجموعته “أهالي دبلن” فأنضجها كلياً بعد مرور وقت ليس قصيراً لتصبح ملحمته الشهيرة “يوليسيس”. كما أعاد لوفانو كتابة روايته “كاراميلا” ومثله روبيرت هاينلاين الذي أعاد كتابة روايته “غريب في أرض غريبة”.

أمثلة أخرى كثيرة تفصح عن إمكانية الكتابة الثانية لأي عمل أدبي وتصحيح مساراته البنائية وتدارك نواقصه السردية في اللغة والحوار وإكمال أو إملاء أفكاره بالجديد من الوعي المستقطب، بمعنى جواز حتى تصويبه فكرياً، فالفكر لا يحتكر الكاتب إلى النهاية ولا يتملكه مع تطور روحه وآلياته وانتمائه إلى العصر.

وهكذا يمكن أن نجد بعض الجدوى في الكتابة الثانية أو الثالثة لتوطيد الصلة من جديد مع القارئ والناقد وفي التلقي العام، ولو هناك مَن يرى أن مثل هذه الكتابة ستخلخل العلاقة مع التلقي لا سيما مع الانزياحات الجديدة غير المتوقعة التي يقوم بها المؤلف بمثال تطوير قصة قصيرة إلى رواية ملحمية أو إعادة كتابة رواية وفق آلية فكرية أخرى (قد) لا تشبه آلية الكتابة الأولى من بعيد أو قريب، أي لا تتشابه مع كتابة الفطرة السردية.

كاتب عراقي

14