الرواية في وحول السياسة

الاثنين 2017/05/29

هل تكون السياسة روح الأدب، أو أحد محرّكاته الرئيسة؟ وهل ندخل بهذا التساؤل الأدب في ما يوصف بـ”مستنقع السياسة” ونقوم بتلويث ما يوصف بأنّه طاهر ونقيّ فيه؟ لماذا يكون الطهر والنقاء والصفات الحميدة المسبغة على أدب يبتعد عن مقاربة السياسة بطريقة مباشرة وكأنّه يدخل وكراً ملوّثاً لن يستطيع الخلاص منه؟ وهل، كما يزعم البعض، أنّ افتقار النصّ الأدبيّ للمقصد السياسيّ يبديه كلعبة بلاستيكية تقلّد هيكل حسناء لا روح فيها؟

هناك رأي يسود عند بعض المشتغلين في مجال الأدب والفنّ يتمثّل في ضرورة النأي بالنفس عن الخوض في قضايا سياسيّة آنيّة، وتفضيل ما يوصف بإيثار السلامة على الانخراط في مستجدّات العصر، يعتقدون أنّهم لو أدلوا بآراء تصبّ في عالم السياسة فإنّهم قد يفقدون جمهوراً في الضفّة الأخرى، أو ينزلقون إلى منحدر لا يريدون الضياع في طيّاته.

وكأنّ تقسيم الجماهير إلى ضفاف وتوزيعهم على زوايا وفق انتماءات أو ولاءات سياسيّة يجبران المرء على طمس رأيه الإنسانيّ، الرأي الذي يكون سياسيّاً بالضرورة، فكيف يمكن زعم النأي عن السياسة وهي تتدخّل في كلّ تفصيل من تفاصيل حياة الإنسان، ونتيجة لتداعياتها وتأثيراتها، إما يسود سلام واستقرار، أو تعمّ فوضى وتنشب حروب، كما أنّها تساهم في تقسيم الشعوب وتكريس الخلافات، وبخاصّة حين تكون هناك صراعات دمويّة عنيفة.

وهناك مَن يعتقد أنّ السياسة تقتل روح الرواية التي تقاربها وتغوص في خفاياها، وتخنق شخصيّاتها وأبطالها بسموم الواقع والمباشرة، لأنّها متحرّكة سائلة بطريقة مرعبة، متغيّرة في التوجّهات والمواقف، ويمكن أن يضيّع الروائيّ بوصلته وهو يتخبّط في عوالمها المعتمة وأنفاقها الخانقة، ويوجبون على الرواية التي تصبو إلى عمر مديد وانتشار كبير عابر للأزمنة والأمكنة ألّا تقتحم مضمار السياسة المفعمة بالنقائض والمنزلقات.

لماذا قد يراد من الأدب في هذا السياق التاريخيّ أن يتجنّب الخوض في قضايا سياسيّة، وأن يسعى ليكون نقطة تصالح وتقاطع بين الفرق المتناحرة، أي أن يزعم الحياد في قضيّة إنسانيّة لا تقبل الحياد، ولا يمكن التخلّي عن المشاعر والمنطق حيالها، ومن ثمّ وضع الظالم والمظلوم في خانة واحدة، وربّما تسليط المزيد من الضوء على منطق الجلّاد ومحاولة البحث عن تبريرات نفسيّة لما أقدم عليه من موبقات بحقّ الناس.

وجد البريطانيّ جورج أورويل (1903 – 1950) الذي انطلق في كتابته من نقطة وعي بالظلم، أنّه حين استشعر الافتقار إلى القصد السياسيّ فإنّ ما كتبه ظهر بلا روح. وقد شكّلت روايته “1984” الشهيرة، التي تعود إلى صدارة الاهتمام بين وقت وآخر، نصّاً مربكاً للدكتاتوريات منذ صدورها سنة 1949 وحتّى الآن.

مثلاً في الولايات المتّحدة ازداد الإقبال عليها بطريقة ملحوظة بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً، لأنّها تذكّر وتفضح الممارسات الرقابيّة التي يسعى لفرضها على الناس. وفي أماكن أخرى ظلّت هذه الرواية بعيدة عن دائرة الاهتمام والضوء السلطويّة فلم تمنعها كي لا تلفت إليها المزيد من الأنظار، ولم تسمح بها كي لا يتمّ ترويجها وتأخذ حيّزاً كبيراً من الانتشار، فكانت في إطار المعتّم عليه والمتجاهل.

بعيداً عن اعتبار السياسة مستنقع تلوّث للرواية، أو حقل ألغام قد يودي بالروائيّ الذي يغامر بخوض تجربة تفكيك هذا الحقل، وتظهير شيفراته وتعرية أسراره، فإنّ هذا العالم المليء بالأكاذيب والأسرار والخبايا يظلّ ميداناً أثيراً من ميادين اشتغال الرواية الحديثة، يمكن العبور من خلاله إلى بلورة تصوّر أشمل عن واقع الحال، ورسم صورة أكثر دقّة للماضي، والتجرّؤ على استشراف تصوّرات للمستقبل بناء على ما يتمّ اكتشافه وإظهاره.

كاتب سوري

15