الرواية كموعظة

الاثنين 2015/06/01

تدخل الموعظة في إطار المباشرة والتلقين والنصح والإرشاد، في حين أنّ الرواية تحاول التخفّف من هذه الأساليب، لتقدّم مواعظها المبطّنة ورسائلها المضمرة، لكن لا توجد قاعدة ثابتة تقيّد هذا الأمر، لأنّ المعالجة الروائيّة والفكريّة أحيانا تتطلّب تكييف الأساليب وتطويعها بما يتناسب مع السياقات المطروحة.

هل توصيف الرواية بأنّها تأتي كموعظة يقلّل من شأنها؟ ألا تشتمل كلّ رواية على كثير من المواعظ بطريقة أو بأخرى؟ أليست كلّ موعظة هي خلاصة روايات وتجارب برمّتها؟ ألا يقدّم التاريخ رواياته ومواعظه في سياق الاعتبار والاسترشاد ليكون الواعظ والراوي معا؟

في روايته “موعظة عن سقوط روما” التي نالت جائزة غونكور الأدبية الفرنسية، يتحدث الفرنسي جيروم فيراري عن العوالم التي يشيّدها البشر، عن نموها وتطورها ونهاياتها، عن موازاة الوجود، عن التواصل. كما يتحدث فيها عن معنى العالم المغلق، كما يقول، وعن تلك اللحظة التي تلتقي فيها البدايات بالنهايات، لتبشر بولادة عالم جديد، وتنذر بانتهاء حقبة ما. الموعظة المطروحة في الرواية تشتمل على كثير من المواعظ، بحيث تكون الموعظة رواية حياة بأكملها، وسيرة مدن وبشر، والموعظة التي يقتبسها فيراري من القدّيس أوغسطين تشكل رسالة العمل “العالم كالإنسان: يولد، ويكبر، ثم يموت. يمتلئ الإنسان في شيخوخته بالبؤس، العالم بدوره كما الإنسان يمتلئ في شيخوخته بالنكبات. قال يسوع: العالم يذهب، يشيخ، ويرحل، العالم يلهث أساسا من القدم لكن اطمئن: شبابك سوف يتجدد مثلما يتجدد شباب النسر”.

يفقد بطل الرواية إيمانه بكثير من الأفكار التي كان يؤمن بها، يعود إلى أرضه وجذوره باحثا عن ملاذ آمن هناك، وباحثا عن يقين وقناعة بمحاولته منع تدهور الأحوال والحيلولة دون اندثار القرية أو ضياعها أو سقوطها. مسعى فلسفي يحتم البحث عن سبل التعاون لمنع وقوع الخسائر المتتالية، وإبقاء شباب الأمكنة بالاهتمام بها والصيانة والرعاية والمحبة.

يتخيل فيراري في الفصل الأخير أوغسطين متجسّدا يلقي خطابه وموعظته على رعاياه، وتكون الموعظة مفعمة بالحكمة والعبر، يحرّض الإنسان على ضرورة التحلي بالقوة لمواجهة قدره والصمود في وجه التحديات، وذلك حين يرى روما تسقط في أيدي الأعداء.

ويؤكد أن العوالم تمرّ من الظلمات إلى الظلمات، عالما بعد آخر، ومهما كانت روما مجيدة وعظيمة، فإنها تنتمي إلى العالم ويجب أن تهلك معه. ويؤكّد لأتباعه: “لكن روحكم، المليئة بنور الرب، لن تهلك، ولن تبتلعها الظلمات. لا تذرفوا الدموع على ظلمات العالم، وعلى القصور والمسارح المدمرة”.

كاتب من سوريا

15