الرواية لم تعد سياحة ومتعة كما كانت عند يوسف السباعي

السؤال عن طقوس ولادة الرواية مثل السؤال عن ماهية الكتابة، والرواية معمار يحتاج لتخطيط ولشكل هندسي.
الخميس 2018/05/24
الروائي يقف وحيدا أمام العالم (لوحة للفنان بسيم الريس)

أحمد مروان وأحمد رجب

الروائي لا يكتب إلا حين تستبد به وحشة الوحدة، والرواية لا يمكن أن تكتب من فراغ، وهي ليست إلهاما فقط، فالوحي يبرق لحظة ويختفي ثم تحتاج الرواية للمزيد من الجهد، لذا قيل إن وظيفة الروائي هي دمج الحقائق بمشاعر الشخصيات وحكاياتها، فلا حاجة لكتابة رواية ما لم تكن تتحدث عن الحياة داخل شخصياتها. في ما يلي نستطلع آراء بعض الكتاب حول هذه القضية الأدبية الهامة.

 من دون أحداث وحقائق يقدمها الروائي في نصه ستبدو الرواية خالية من المعنى، وربما لذلك قال أنطون تشيخوف “لا تقل لي إن القمر مضيء، بل أرني بريق ضوئه على زجاج مهشم”. في هذه المقولة تأكيد على أهمية ما يبذله الروائي من جهد لجعل نصه حقيقيا ومقنعا ما يشكل نسيجا روائيا مغر للقراءة.

تكتبني وأكتبها

يقول الروائي محمد جبريل “الكتابة فعل اكتشاف، أرفض التصور بأن الكاتب يبدأ روايته وهو يعرف تماما صورتها النهائية، فالرواية تكتسب ملامحها وقسماتها أثناء ولادتها، وقد يأتي المولود في صورة غير تلك التي كان يتوقعها الفنان، وربما غير التي أرادها، الرواية تخطر له أولا كفكرة لكنه أثناء الكتابة لا تسيطر عليه الفكرة بصورة مطلقة”.

الكاتب مهما عرف من بشر فهو إنسان وحيد، يعاني وحدة من نوع خاص، لهذا يحتاج إلى عالم آخر ثري يتخيله ويعيد صياغته
 

جبريل يترك للعمل تلقائيته، وقد جعله ذلك يستغرق ثمانية أعوام في كتابة رواية “الأسوار” بينما روايته عن “المتنبي” ألحت فكرتها عليه فعكف عليها وانتهى منها في أسابيع، والكثير من روايات جبريل يبدو فيها البطل واضحا، مسيطرا، لا يفارقنا منذ بداية العمل إلى نهايته، وثمة تشابه بين الشخصيات في أعماله، وهو يرجع ذلك إلى كون الشخصيات أو معظمها تعبر بدرجة أو بأخرى عن شخصية الكاتب نفسه، ويعتبر التاريخ من أهم المؤثرات على ولادة الرواية عنده فهو يقول إنه يستعيد التاريخ لإضاءة أحداث معاصرة وقد فعل ذلك في كل رواياته التاريخية مثل “إمام آخر الزمان” و”قلعة الجبل”.

أما الروائي محمود الورداني فالرواية عنده ولدت من الحرب، فهو بدأ كاتبا للقصة القصيرة، التي كانت مشبعة إبداعيا بالنسبة إليه حتى تكشفت له نتائج حرب 1973 التي اشترك فيها عسكريا مجندا بعد تخرجه، كان العمل الذي أسند إليه هو الاشتراك في تسلم الشهداء من المستشفيات وتسليمهم إلى مقابر الشهداء، فكتب رواية عنهم ليقضي معهم وقتا أطول – كما يقول – والرواية عنده تولد دائما كقصة قصيرة، وقد حدث ذلك في رواياته جميعا.

 وعن “أوان القطاف” يقول الورداني “بدأت كتابة هذه الرواية بقصة قصيرة اسمها "رأس" وفيها تابعت رأسا يتم ذبحه عدة مرات. وكانت أهميتها بالنسبة لي التخلص التام من الأفكار والانطباعات التي كنت حريصا عليها، والحقيقة أنه لم تكن لدي أي فكرة مركزية، كل ما أردته هو الإنصات لهذه الأصوات كلها على تنوعها واختلافها، فهي تشترك جميعا في أمر واحد أظن أننا جميعا نشترك فيه وهو تعرضنا المستمر واليومي للذبح ليس بالمعنى المجازي بل بالمعنى الحقيقي، لأننا نعيش كابوسا طويلا.. هذه الرواية كتبتني ولم أكتبها”.

الشعور بالوحدة

و يقر الروائي إبراهيم عبدالمجيد أن الرواية لا تسلم نفسها له إلا بعد أن يتعاظم بداخله الشعور بالوحدة، لذا فهو لا يبدأ كتابة الروايات قبل انتصاف الليل، وهو وقت يعطيه الإحساس بأنه وحده في هذا العالم، وغالبا ما يستعد للكتابة بالاستماع للموسيقى لفترات لا تقل عن ساعة، وتحتاج منه الروايات إلى عمل دؤوب قبل أن يبدأ في الكتابة وبعد الانتهاء من المسودة الأولى، فمثلا روايته “لا أحد ينام في الإسكندرية” استغرقت منه الفترة من 1990 وحتى 1996، حيث قرأ كثيرا عن المدينة ولم يكتف بمعرفته الشخصية بها باعتباره أحد أبنائها، لكنه احتاج أيضا لمطالعة عشرات الكتب عن الحرب العالمية الثانية، وقراءة الصحف الصادرة في ذلك الوقت من 1939 وحتى 1942، كما زار كل الأماكن التي كتب عنها في الرواية، ويضيف “أنا لا أكتب العمل مرة واحدة لكني أعيده إن لم يعجبني.. كل رواياتي كتبتها ثلاث مرات وبعضها أعدت كتابته أكثر من ذلك”.

الرواية لا تسلم نفسها له إلا بعد أن يتعاظم بداخل كاتبها الشعور بالوحدة، لذا غالبا ما يكتب الروائيون في عزلة
 

ويشاركه الروائي مصطفى نصر في التأكيد على أهمية ما يبذله الروائي من جهد فيقول “الرواية ليست سياحة ومتعة، كما كانت عند يوسف السباعي – مثلا- فهي تحتاج جهدا كبيرا في تجميع المادة التي سيعمل الكاتب عليها، كما أنها تستلزم وقتا طويلا، فقد تكتب الرواية لأكثر من عشر مرات، وهذا ما فعله نجيب محفوظ الذي قال إنها حرمت زوجته من الزيارات التي تفضلها النساء”.

وقد استوحى نصر روايته من محبوبته السينما وحنينه إلى الإسكندرية، فيقول “لدي شغف وعشق كبير للسينما. كانت متعتي أن أحضر الأفلام في صالات العرض، وقد كتبت قصتين حقيقيتين حصلتا معي في السينما إلى أن أصبح لدي حلم كتابة رواية كاملة تدور أحداثها في السينما وهذا ما حصل في رواية سينما الدورادو”.

ويذكر الروائي فتحي إمبابي أن علاقته بالرواية بدأت “قبل أن يعمل مهندسا بالهيئة القومية لمترو الأنفاق مع بداية مشروع مترو القاهرة الكبرى، وأرى أن الهندسة تؤسس عقلا، والعقل يؤسس للعالم، وهناك علاقة واضحة بين التأسيس الفكري والتأسيس الهيكلي، حيث يجمعهما معمار بنائي ضخم، فالرواية أيضا معمار يحتاج لتخطيط ولشكل هندسي، ولهذا أتعامل مع الرواية كبناء له أدواته التي تؤسس له، من أجل الوصول للتكوين الجمالي الذي يتكون من لغة السرد ومضمون الحكاية. وقد انعكس عملي في مشروع مترو الإنفاق على كتابتي للرواية”.

وتقول الروائية هالة البدري “السؤال عن طقوس ولادة الرواية سؤال صعب مثل السؤال عن ماهية الكتابة”.  ورغم ذلك تحاول الإجابة فتقول “الكاتب مهما عرف من بشر فهو إنسان وحيد، يعاني وحدة من نوع خاص، لهذا فهو يحتاج إلى عالم آخر ثري يتخيله ويعيد صياغته، ومن هذه الوحدة تولد الرواية، وقد اخترت موضوع روايتي الأولى ‘السباحة في قمقم’ عن عالم عرفته وأحببته وهو عالم الرياضة فهي رواية النمو والاكتشاف. وأنا لم أخطط لروايتي الأولى، فقد تدفقت الكتابة”.

14