الرواية ملحمة ضد الأصولية

الخميس 2015/08/20

أول ما فكر في فعله أصوليو جبهة الإنقاذ الإسلامية حينما استولوا على الحكم المحلي إثر انتخابات تعددية مشبوهة في الجزائر سنة 1990 كان البدء بإتلاف الروايات من كل المكتبات البلدية وعلى الخصوص عناوين من كانوا يعتبرونهم من الكتاب العلمانيين أو الملحدين أو المعادين لمشروعهم التوتاليتاري عموما. وقد تم فعلا حرق بعض كتب الروائي الجزائري الطاهر وطار في مكتبة بلدية تقع شرق الجزائر العاصمة.

ولا يتطلب الأمر تفكيرا طويلا لمعرفة سبب عداء الإسلاميين للأعمال الأدبية عموما والرواية على وجه التحديد. ببساطة لأن الرواية إن هي تعبر في الغرب عن الفردية ففي العالم العربي تريد أن تخلق وتؤسس لهذه الفردية. بكلمات أخرى لا يحب الأصوليون الرواية لأن في الرواية فكر ورؤية، فهي بنت الحداثة والحداثة عقل وفردية قبل كل شيء. وهما أهم ما يعرقل مشروع الدولة الثيوقراطية التي يحلمون بها، دولة الـتوحيد والقطيع.

وحرق الرواية أو تحريم قراءة الرواية هو محاولة قطع الطريق أمام الذات كي لا تصبح ذاتا فردية وكي يستمر الناس في العيش كذات جماعية لا كأفراد. والشموليات تحبذ مؤمنين بها، طائعين ينتظرون النصائح والتوجهات الجماعية ولا تريد أفرادا يستعملون عقلهم ويُحكمون وعيهم. وليس من الغريب أن يحارب هؤلاء الإبداع عموما والرواية على وجه أخص لأنها بطبيعتها ديمقراطية متعددة الأصوات، يعبّر فيها كلّ اتجاه عن ذاته وهم يريدون خنق كل صوت لا يجاري أوهامهم.

ولكن يبدو أنّ القوم لم يعتبروا بعد في الجزائر التي اكتوت بنار التطرف الإسلاموي ودفعت الثمن غاليا طيلة عشرية كاملة من العنف. في سنة 2015 يخرج أحد الأصوليين وهو صاحب سوابق تكفيرية عديدة طالت حتى وزراء ورؤساء أحزاب، لا ليكفر الروائي الشاب كمال داود بل ليطالب بقطع رأس صاحب أجمل فكرة أدبية خلال السنوات الأخيرة في الجزائر في روايته الصادرة في الجزائر وفرنسا والمترجمة إلى لغات كثيرة “مورسو التحقيق المضاد” وهو ردّ أدبي فني ذكي على رواية ألبير كامو “الغريب” وتشريح عميق للواقع الجزائري الرديء بعد الاستقلال.

وحتى وإن لم تتمكن الرواية الشبابية العربية أن تترجم التجارب الحسية بامتياز أدبي في كل نصوصها، فهناك كم سردي هام ونجاح ثقافي- سياسي متصاعد للروائيين قمين بإعطاء نقلة نوعية في مجال الرواية قد تكون ضربة موجعة للخطاب الفقهي التدجيني. فالرواية على حدّ تعبير الشاعر الفرنسي آراغون هي كذب يقول الحقيقة.

ولئن كانت العموميات هي كنه خطاب الوعاظ الحالمين، فالرواية في نظر صنع الله إبراهيم هي التفاصيل وفي التفاصيل يسكن الشيطان كما يقول الفرنسيون، ويقصدون بالشيطان الاختلاف والتعدد والنقاش. فإن كان التاريخ رواية الكبار أو النخبة، فالرواية هي تاريخ الناس البسطاء، تاريخ الفرد بل الشخص بعينه ومحاولة فهم عمق وتعقد وجوده من خلال ما يقول هو لا انطلاقا مما يقوله عنه غيره، وهذا ما يزعج الأصولي لأنه يريد أن يكون الناطق الرسمي للناس أجمعين، بينما الرواية مشروع مفتوح على حرية التعبير وبالتالي على الاختلاف والتعدد، ومن هنا فهي خصم عنيد للأصولية.

كاتب من الجزائر

14