الرواية واقتفاء آثار الدكتاتوريين

الاثنين 2016/05/30

هل ينهي الموت حياة الدكتاتوريّين وحضورهم الرمزيّ والتاريخيّ في ذاكرة الشعوب والبلدان التي حكموها؟ وهل من اليسير إزالة آثارهم التي تركوها على مرّ العقود؟ أليسوا صنّاع حاضر ومستقبل بلدانهم في الفترات التي حكموا فيها، وأصبحوا جزءا من تراث تلك البلدان، ولو من باب تبديد التراث نفسه؟

لا تفتأ الدكتاتوريات تثير حفيظة الأدباء وتحرّضهم على إعمال مخيّلاتهم لاقتفاء الآثار التي تخلفها في مختلف مناحي الحياة، وفي مستقبل البلاد، وتدفع إلى مساءلة كيفيّة احتفاظها بجاذبيّة خاصّة، مكروهة في الواقع، ومنشودة في الرواية، تتمّ معالجتها بصيغ أدبيّة وروائيّة مختلفة.

يمارس الروائيون انتقاما روائيا من الطغاة في أعمالهم، قد يرسمونهم بصيغ كاريكاتورية تارة، كحالة ميلان كونديرا في رسمه لشخصية ستالين باستخفاف وتندّر في روايته “حفلة التفاهة”. وقد يحضرون عبر تدبيج مواجهة مباشرة تارة أخرى كحالة الأسباني فرناندو أرابال (1932) في كتابه الذي كتبه بصيغة “رسالة إلى الجنرال فرانكو” سنة 1971، يواجهه بطريقة أدبية بمدى وحشيته، يكشف له عن جانب من فظائعه المقترفة بحق البلاد وأهلها، يتمنّى عليه أن ينقذ نفسه، ويتحوّل ويتغيّر، أن يكون بالأحرى سعيدا في النهاية، أن يهجر عالم القمع والضغينة، ويقلع عن السجون وعمّن حوله من أشرار ومن أخيار.

يبوح أربال لفرانكو عن اعتقاده بأنه معذّب بلا حدود، يقول له إنّ الإنسان المقهور فقط، من يستطيع فرض القهر حوله. يخاطبه قائلا “الألم يتملّكك، ليس كرجل سياسي وعسكري فحسب، بل وفي انحرافك أيضا، أنت ترسم حطام السفن، ولعبتك المفضلة هي قتل الأرانب وسمك التونة. كم من جثة في سجلك؟ في أستوريا وأفريقيا وفي الحرب الأهلية وما بعدها؟ حياتك متّشحة بالحداد. أتخيلك محاطا بحمام بلا أرجل، بأكاليل سوداء، بأحلام تطحن الدم والموت”.

في العالم العربي تمكن مصادفة روايات حديثة تقارب محطات من سير طغاة عرب، من ذلك مثلا رواية “السوريون الأعداء” لفواز حداد التي يرسم فيها شخصية حافظ الأسد روائيا. وهنالك كذلك حديثا رواية “الفتنة” للعراقي كنعان مكية التي يصور فيها الأيام الأخيرة من حياة صدام حسين ومشهد إعدامه. كما أن هناك رواية “ليلة الريس الأخيرة” للجزائري ياسمينة خضرا يتناول فيها محطات من حياة القذافي وأيامه الأخيرة، ناهيك عن روايات أخرى قاربت مواقف من حياة طغاة آخرين.

لا يخفى أنّ حياة الدكتاتوريين تظل مثيرة للبحث، وتفترض الدراسة لكشف الدوافع والأسباب التي تقودهم إلى ارتكاب جرائمهم بحقّ الشعوب والبلدان التي حكموها، ولعنة وصولهم إلى درجة من الطغيان وتوهّم القداسة والتجبر، بحيث يكون جبروتهم مدمرا وجالبا سلسلة من الكوارث بطريقة أو بأخرى، وتأخذ الرواية حصّتها من الخراب المعمّم بهندسة أعمال تنبش بنية الخراب ذاك في محاولة لاستخلاص العبر منه في مسعى لعدم تكراره.

كاتب من سوريا

15