الرواية والانتصار للذوات المهدورة

تتحدّى الرواية المحو والسحق والامحاء، وتراهن على الذوات المبدعة لتنير الدروب المعتمة، وتكشف عن السياسات والممارسات التي تحاول إخماد جذوة الإبداع والاستقلال والتفكير الحرّ في أرواح أصحابها.
الاثنين 2018/07/30
قد تكون الرواية خير تمثيل لتميّز الذات

تنتصر الرواية للذوات المهدورة من خلال التركيز على استقلاليّتها وتميّزها وخصوصيّتها وفردانيتها، وذلك في مواجهة ما يوصف بالاستلاب باسم الجماعة، أو تحت قناع الانتصار للجماعة والتجيّش لها، وتعميم المساواة بين مختلف أطيافها.

تتداخل الخيوط بين التسميات والتعريفات والتوصيفات، فقد تستغلّ سلطة قمعية شعارات المساواة من أجل إلغاء أيّ تمايز واستقلالية للأفراد المنتجين، وتوظيف إبداعهم في خدمتها، من دون إيلائهم الاعتبار الذي يستحقّونه.

تسعى السلطات القمعية إلى محاربة الذوات المحلّقة في عالمها الحرّ المستقلّ، تمضي في تصنيفها وتعليبها، وتواظب على مسعاها لتصنيع “المواطن” الذي تريده في لعبة القولبة والسيطرة. ويكون تقييد البشر في أنماط للسيطرة لتسهيل الهيمنة والتحكم، ذلك أن التنميط يفقد الخصوصيّة ويفرض التبعية، ويحوّل البشر إلى أشكال بدائية أشبه بصيغ قطيعية تستمرئ الاستلاب والتقييد، وقد تصل إلى درجة استعذابه، وذلك من خلال تكرار مقولات وشعارات تعلي من قيمة “نا” الجماعة التي تكون في حقيقتها صيغة تفتيت وتبديد وتقنيع لا تجميع كما يكون الزعم.

لا تضيّع الرواية الذات الإنسانيّة، ولا تقوم بهدرها على مذبح الشعارات والقضايا التي قد تحجبها أو تقوم بتوظيفها لتؤثّث من خلالها أقنعتها، بل تضعها في الصدارة، وتركّز عليها، تمنحها أصواتاً لتعبّر عن نفسها، وعن رحابة عالمها الداخلي، عن أفكارها وهواجسها وهمومها، وعن المخبوء في دواخلها.

لعلّ الروائيّين والروائيات الذين عاشوا في ظلّ أنظمة دكتاتوريّة كانوا أكثر إدراكاً لهذا الهدر الذي طال الأفراد وأفقدهم خصوصيّتهم، وقام بالتحجير عليهم وكأنّ من العيب عليهم أن يحتفوا بأنفسهم واستقلاليّتهم وحرّيّتهم المنشودة.

وجاء تركيز البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش على منحت أصوات لمن خرجوا من معركة الحياة في ظلّ الاتحاد السوفييتي في كتابها “زمن مستعمل.. نهاية الإنسان الأحمر” كنوع من تحدّي الهدر، حيث صوّرت كيف أنّ بعض أبطالها قاوموا ما سعت إليه السلطة الشمولية من “تصنيع المواطن” السوفييتي وفق المواصفات التي تضعها، والتي من شأنها أن تقوم بتضييع الذوات وتهدر استقلاليّتها وفرادتها.

كما كانت محاولة الروائية الروسية آيان راند في روايتها القصيرة “ترتيلة” نوعاً من إعادة الاعتبار للذات المهدورة، وشدّدت بدورها على تصدير الذات ومنحها أهمية كبرى في مواجهة سياسة الإلغاء والهدر والتهميش. كتبت ما يشبه الخطاب الذاتيّ وركّزت على الأنا في حربها للحظوة بمكانتها المعتبرة المأمولة.

وقد تكون الرواية، التي توصف غالباً على ألسنة كثيرين بأنّها عمل فرديّ يمكن إنجازه في عزلة ما أو في أي مكان– أحياناً من باب الاستخفاف بها أيضاً – خير تمثيل لتميّز الذات واستقلاليّتها وقدرتها على الإبداع والفرادة في عالم يفرض التنميط ويسعى إلى التقييد عبر التصنيف.

ومن هنا تتحدّى الرواية المحو والسحق والامحاء، وتراهن على الذوات المبدعة لتنير الدروب المعتمة، وتكشف عن السياسات والممارسات التي تحاول إخماد جذوة الإبداع والاستقلال والتفكير الحرّ في أرواح أصحابها.

15