الرواية والتاريخ

الأربعاء 2016/05/25

تحتاج الرواية التاريخية إضافة إلى الخيال الروائي والمقدرة اللغوية، إلى جهد باحث مؤرخ، وإلا وقعت في مطبات كارثية تفقدها مصداقيتها مهما امتلك كاتبها أدوات في القص والسبك والربط.

أحدهم كتب رواية تدور أحداثها في العصر المملوكي، واستعاد أمكنة يعرفها شكلت مراتع لطفولته، ولكنه أغفل سبعة قرون، فتجده يتعثر في أحد مقاطع الرواية بعبوة غازولين، أو يصف حقول البندورة والذرة الممتدة أمام ناظريه! فمثل هذه الأخطاء تجدها تمر أمام قارئ بسيط من دون أن تلفت اهتمامه، ولكن القارئ المتوسط يستطيع أن يقول لهذا الروائي أخطأت فعبوات الغازولين هي ابنة القرن العشرين، والبندورة والذرة والبطاطا هي ابنة القرن التاسع عشر أتتنا من البلاد الأميركية وقبل ذلك لم يكن أحد يعرف عنها شيئا، حتى في أوروبا نفسها!

بالإضافة إلى الأخطاء التاريخية، ثمة مشكلة أخرى أكثر وضوحا، حين يتناول أحد الروائيين وصف مكان لا يعرفه عيانا، وعدم الرؤية العيانية ليس عيبا، ولكن العيب هو عدم دراسة المكان الموصوف، ومعرفة تضاريسه وشكله التكويني وموقعه على الخارطة، وعند ذلك الكاتب الكسول تتحول مدينة القدس إلى غياض وأنهار وغابات، علما وأن معرفة جفاف المدينة وشح مياهها لا تحتاج إلى أكثر من قراءة كتاب أو اثنين عن تاريخها وجغرافيتها. ولذلك، فإن كتّاب الرواية التاريخية هم باحثون تاريخيون، إذ كيف يمكن لأمبرتو إيكو أن يكتب “اسم الوردة” لو لم يكن مؤرخا وفيلسوفا صاحب وجهة نظر في الحياة، وكيف لأمين المعلوف أن ينتج كل إبداعاته لو لم يمتلك حس الباحث التاريخي، بالإضافة إلى موهبة الراوي؟

من السهل على الروائي أن يكتب عن ذاته وأمكنته التي يعرفها وأصدقائه وربما حياتهم، ومن النادر أن يحاسبه النقاد عن أخطاء في المعلومات أو الوقائع، ولكن كاتب الرواية التاريخية، معرض للمحاكمة إن هو أخطأ في معلومة أو واقعة يرد ذكرها في مصادر التاريخ، كأن يعيد اختلاق شعب قديم انقرض قبل الفترة التي يتحدث عنها بالمئات من السنين، أو أن يبني عمله الروائي على افتراض خاطئ لمؤرخ ما.

أذكر أن الروائي الراحل عبدالرحمن منيف، وحين كان يستعد لكتابة روايته “أرض السواد”، انشغل لسنوات بجمع مصادر شتى عن تلك الحقبة، وتكونت لديه مكتبة ضخمة حول موضوع روايته التي تقع أحداثها في العراق خلال القرن التاسع عشر، أتى عليها قبل أن يخط حرفا واحدا.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14