الرواية والتاريخ

أعتقد أن أجمل الروايات العربية وأعمقها هي تلك التي هشمت أسطورة العربي المجيد، دائم الفخر بفحولته وببطولاته الوهمية كما في الأشعار القديمة.
الثلاثاء 2018/05/08
البطولات الوهمية كما في الأشعار القديمة

في الأدب الملحمي القديم، الإغريقي تحديدا، الملحمي هو العنصر الجوهري والأساسي. ورغم أنه إنسان من لحم ومن دم، فإن البطل في العمل الملحمي له مواصفات إله. لذا هو قادر على مواجهة الأهوال والأغوال، وخوض الحروب، وشنّ المعارك لينتصر في النهاية، ويتم تتويجه، وبه يُحْتَفَى كما هو الحال مع “أوليس”، ومع أبطال “الإلياذة” لهوميروس.

أما في الأدب الملحمي الحديث الذي تمثله الرواية منذ نشأتها مع سارفانتس ورابليه، فإن الآلهة منعدمة، والأبطال بلا موصفات إلهية، وليس هناك سوى الفرد وهو يواجه وحيدا وأعزل التاريخ وهيجانه المرعب، واضطرابه المثير للدوار، وكوابيسه المتلاحقة. وفي رواية “الحرب والسلام” لتولستوي، يقرّ بيار بيزوكوف، المثقف الذي أراد أن يعيش دراما التاريخ في زمنه، بأنه لم يُدرك الحقيقة إلاّ في السير المضني لجنود نابليون بونابرت وهم يعودون مهزومين ومثخنين بالجراح إلى وطنهم البعيد.

 وفي روايات فلوبير، نحن نتلمّس فشلا دائما لدى جلّ الشخصيّات، والتاريخ يبدو كما لو أنه خال من البطولات الفردية أو الجماعية، بل هو سلسلة من الخيبات المريرة مثلما هو الحال في “بوفار وبيكوشي”، وفي “البحث عن الزمن المفقود”، لا يولي مارسيل بروست اهتماما كبيرا للتاريخ، ولا لأحداثه، بل ينشغل بالأحاسيس الدفينة، وبالرغبات الملتهبة، والاضطرابات النفسية الحادة. وفي “أوليس” جيمس جويس، نجد ليوبولد بلوم مجردا من أي مواصفات بطولية، ومن البداية إلى النهاية، هو يهيم على وجهه مجسدا ضياع الإنسان في متاهات العصر الحديث.

وأعتقد أن أجمل الروايات العربية وأعمقها هي تلك التي هشمت أسطورة العربي المجيد، دائم الفخر بفحولته وببطولاته الوهمية كما في الأشعار القديمة، وابتكر مؤلفوها شخصيات قلقة ومضطربة تعيش التاريخ وأحداثه كما لو أنه سلسلة من الكوابيس المرعبة. ففي “موسم الهجرة إلى الشمال”، يعيش مصطفى سعيد وهم غزو الغرب، لكنه يموت في النهاية بعد أن يعجز عن بلوغ واحدة من ضفتي “النيل”، وفي “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإميل حبيبي، لا يتردد البطل في الاعتراف بجبنه، وخياناته المتكررة، وغدره بأبناء وطنه. وفي “رجال تحت الشمس” لغسان كنفاني، يموت الفلسطينيون الثلاثة في خزان شاحنة ليفقدوا لا وطنهم فقط، بل هويتهم أيضا.

ويتوجب عليّ أن أشير إلى أن الروائي يكتب التاريخ بطريقة مختلفة عن المؤرخ. فإذا ما كان هذا الأخير يحتاج إلى الوثائق، والأرقام، وإلى سير وأعمال شخصيات كبيرة فاعلة في الأحداث، ومؤثرة على نتائجها وتبعاتها، فإن الروائي معنيّ بكل ما هو مهمش، ومنبوذ، ومحرم، ومهمل. والخيال هو وسيلته المثلى للكشف عن كل هذا من دون أن يكون ملزما بما يسميه المؤرخ بالدقة والموضوعية. وقد تدفيه أحيانا الاستعارة ليصف حالة أو وضعا يتطلبان من المؤرخ أبحاثا مضنية.

 وفي رواية أبوليوس الإفريقي “الحمار الذهبي”، هناك فصل قصير يبدو كما لو أنه يلخص تاريخ الظلم والاستبداد الذي يعاني منه الإنسان العربي على مدى العصور. فقد وضع غلام شرير حمولة حطب ثقيلة على ظهر الحمار مجبرا إياه على الصعود بها إلى قمة جبل وعر. وطوال تلك الرحلة المضنية، لم يكن يكف عن ضربه، والتنكيل به ليتقرح جسده، وتكثر كدماته. فإذا ما أوشك على السقوط، زاد في تعذيبه ليواصل صعود الجبل.

إن هذا الحمار يبدو كما لو أنه الإنسان العربي المحكوم عليه بأن يعيش ظلما أبديا لا يخف ولا ينقطع. وفي كل مرة يظن فيها أن لحظة الخلاص التي طالما تاق إليها قد حانت ليتجاوز محنته، ويعيش الحرية والكرامة، ترتدّ صخرة سيزيف.

14