الرواية والتخييل التاريخي

الجمعة 2016/09/23

هل يعيد الروائي بناء تاريخ مفترض اعتمادا على تخييله حوادث موازية على هامش الحوادث التاريخيّة، التي قرأها أو سمع عنها؟ أتراه يعيد تصحيح مسار ذاك التاريخ الذي يوصف بأنه مدوّن بأقلام المنتصرين والأقوياء؟ هل ينقل الروائي ما عجز المؤرخون عن نقله وتوثيقه، أم أنه يتمرّد على لعبة التأريخ الرسمي ليتخيّل مسارا مختلفا للتاريخ وتداعياته وآثاره؟ هل يسعى الروائيّ إلى الانتصار للأصوات المقموعة التي غيّبها المؤرّخون؟

يشكل التاريخ ميدانا شاسعا تحاول الرواية مقاربة بعض أحداثه وتخييل خباياه والإيهام بكشف النقاب عنها عبر تخييل روائي يفترض ما كان ويضفي عليه نوعا من الواقعية والتوثيق، وكأنها تسعى إلى سدّ الفراغات التي أحدثها الرواة، أو أبقاها المؤرّخون أو تغافلوا عنها أثناء انهمامهم بتدوين سير الملوك والانتصارات أو الهزائم أو المعارك وما تمخّض عنها.

سعى عدد من الروائيين العرب إلى تخييل تاريخيّ في أعمالهم الروائيّة، بحيث بدت بعض الروايات وكأنها تؤرّخ لما كان اعتمادا على خيال الروائيّ الخصب، وانطلاقا من قراءاته للتاريخ، وربّما استدراجه حوادث وتأويلها أو تفسيرها بمنظاره المعاصر، أو من موقف مسبق، بحيث يدين ذاك التاريخ أو ينتصر له.

البحريني الراحل عبدالله خليفة (1948- 2014) انكبّ في عدد من أعماله الروائيّة على قراءة التاريخ الإسلامي من خلال تخييله شخصيات مؤثّرة في هذا التاريخ، وحاول التماهي مع ما أورده الرواة والمؤرّخون الإسلاميون بحيث جاء تخييله كقراءة في دواخل الشخصيّات المصوّرة أكثر منها قراءة تاريخ أو نقده أو مساءلته.

ولعلّ المقاربة التاريخيّة تكتسب نوعا من التحدّي إذا كان التاريخ المطروق أو المستدعى والمعالَج قريبا، عائدا إلى عقود لا يزال بعض شهودها أحياء، بحيث تكون الشهادة الواقعية بوابة للتخييل، ومدخلا إلى قراءة جديدة لحدث لا يزال متفعلا في الذاكرة والواقع.

مثلا في روايته “كولونيل الزبربر” أثار الجزائريّ الحبيب السائح كثيرا من الأسئلة المتعلقة بالثورة والحرب والتاريخ والزمن والمستقبل ومفهوم البطولة والتضحية والفداء، وكيف يتمّ استغلال بعض المفاهيم العظيمة لغايات دنيئة، بحيث يتحول الإنسان الذي يقدم نفسه ثوريا ونقيا إلى وحش يفتك بأصدقائه وأقرب المقربين منه في سبيل التحصل على مكتسبات بائسة، وفي ذلك إشارة إلى الضعف البشري والانسياق وراء سطوة الغرائز وعدم التوقف عند أيّ روادع من شأنها حماية المرء من جنونه وغرائزه ووحشيته.

استعان السائح كذلك بثنائية التخييل والتاريخ، وأفسح المجال للخيال كي يبتدع عوالم تاريخية تستقي معاصرتها من استمرارية القضايا التي تعالجها وتستعرضها، فالشروع بالانطلاق في ميدان الخيال هو إطلاق لطاقة ذاك الخيال على تلمّس دروب الذاكرة والتاريخ، وتدوين وقائع أغفلها الرواة لغايات مسيسة، وربما للتعتيم على بطولات أو جرائم بعينها.

كاتب من سوريا

15