الرواية والترجمة

السبت 2017/03/11

يتأثر الأدب عموما بحركة التاريخ، والمجتمعات الخاملة، الخالية من التناقضات هي مجتمعات غير روائية، وحيث نجد الطبقية والتنوع العرقي في المجتمعات نجد الرواية والشعر أيضا، أنظر إلى أدب أميركا اللاتينية على سبيل المثال، لكن الأدب بطبعه متأن ويلزمه تخمير الأحداث والتناقضات في وجدانه، ومتى ما اختمرت تلك الأفكار حان أوان الطلق الذي ليس سهلا، أعني طلق متعسر في الغالب، ربما الرواية أسرع أجناس الأدب هضما وتمحيصا وقدرة على استلهام الأحداث الكبيرة والانقلابات الاجتماعية.

كما أن الانقلابات السياسية تترتب عليها انقلابات سوسيولوجية عميقة في المجتمعات ـ الضحية، وهذا ما حصل لأغلب لمجتمعاتنا العربية.. تلك المتغيرات أوّل من يلتقطها هو المبدع بوعيه المتقدّم، وهو أوّل من يتأثر بها أيضا.. والمخيَّلة، كما أعتقد، ليست أثيرا في عقل المبدع فحسب، بل هي وجود فيزيائي بحت أيضا، وبالتالي تحتاج إلى حاضنة ومناخ ما.

من وجهة نظري.. الآن يحين موسم الطلق بالنسبة إلى الرواية العراقية على الأقل، ربما ثمة خلاف بشأن الشعر، لكن بالتأكيد الرواية العراقية بدأت تتبرعم وتطرح ثقال ثمارها الناضجة، ثمار مليئة بالمرارة والخوف والحرقة، لكنها ناضجة على أي حال، أنا شخصيا أتوعد العالم بالرواية العراقية المقبلة.

إن توصيف السرد عموما قضية معقدة للغاية وتستند إلى مرتكزات عدة، أهمها اللغة والمخيلة والتجربة وغيرها، لكن في المحصلة يبقى السرد إحدى أدوات أو أساليب الكتابة، لكن الأهم من ذلك كله الفكرة التي يؤسس عليها الكاتب عمله ويشيّدها بواسطة السرد، لا أريد أن أدخل في التنظير المعقد وأسأل هل السرد من مكونات الشكل أم من مكونات المضمون أم من كليهما؟..

لكن في جميع الأحوال تبقى الفكرة بالنسبة إليّ هي الأساس، إذا غامت أو ضعفت لسبب ما، تعطلت جميع الأدوات الأخرى عند الكاتب الذي سيحاول التعويض عن نقص المضمون بالتجريب في الشكل، الفكرة أو المضمون هما مادّة أيّ قصة أو رواية، أعني مادّتها الأساس، والشكل يأتي لاحقا، والقارئ العادي، غير المتخصص، لا يميل للتجريب في الشكل، لهذه الأسباب نجحت روايات أميركا اللاتينية، ولهذا السبب أيضا تنجح الآن روايات مهمة من أفريقيا والهند وأفغانستان وإيران وغيرها.

إن الرواية هي فن العصر بحق، ليس فقط على صعيد التنظير، بل إن جميع الفنون الأخرى، كالسينما والمسرح والأوبرا والفنون الشعبية تستند إلى الرواية بالدرجة الأساس. واستنادا إلى هذا التوصيف فإن المجتمعات الأوروبية أصبحت مجتمعات لا روائية نتيجة للرخاء والاستقرار الاجتماعي، لكنّها في المقابل لا تزال الموطن الأوّل للقراءة وهي تتلقّف التجارب الجديدة، خصوصا من العالم الثالث، لذا أعتقد أن الفرصة متاحة الآن لانتشار الرواية العربية عموما والعراقية على وجه الخصوص وترجمتها إلى اللغات الأخرى، لكن ليست أي رواية، وثمَّة معايير معقدة تتحكم بذائقة القارئ الأوروبي لا يتسع المجال هنا للحديث عنها.

كما أن المترجم الذي سيضطلع بعملية نقل النص إلى لغة أخرى ينبغي أن يكون مستشرقا متخصّصا بلغته الأم واللغة العربية معا، وفي الغالب يعمل مثل هؤلاء المترجمين مع دور نشر مهمة تضمن الرواج للعمل المترجم بطريقة احترافية دقيقة. لقد عمدت لجان المسابقات الخاصة بالرواية العربية مثلا إلى اعتماد مترجمين مغمورين أو دور نشر ثانوية، ولعله الأمر الذي يبرر عدم تحقيق ما تُرجم من روايات عربية حتّى الآن الانتشار المطلوب، بمستوى ما تحقق مع آداب أخرى تُرجمت من الفارسية والتركية وغيرهما من اللغات الشرقية، على الرغم من كثرة المشتغلين في وسائل الإعلام الغربية من أصول عربية في البلدان الأوروبية.

كاتب من العراق

15