الرواية والتطرف

الخميس 2017/05/04

كيف يمكن أن نواجه التطرف الديني في المشغل الثقافي عامة والأدبي بشكل خاص؟ وكيف نستعيد الحياة المدنية من أنياب الباحثين عن شهوة القتل في القصة والشعر والرواية والمسرح والسينما وكل الفنون الجمالية التي ترقى بالإنسان وتمنحه التاريخ والخلود؟ وكيف يمكن أن تستعيد بلداننا عافيتها بعد موجات التطرف الرهيبة التي فتّتت أوصال المجتمعات العربية إلى مذاهب وطوائف وكانتونات ومقاطعات دينية؟

ليست هذه أسئلة بقدر ما هي صرخات مؤلمة ومحطات واستفسارات فيها أكثر من أسًى ولوعة تتردد لأكثر من عقدٍ من الزمن في الفضاءات العربية المشوهة، يطلقها الصغير والكبير أمام جثامين الشهداء في سوريا والعراق واليمن وليبيا التي لا تنتهي على ما يبدو في الأفق القريب ولا ينتهي معها التطرف البائس الذي أغرق الحياة بسيولٍ من الدماء وهمّش المهمش أصلاً ويحاول أن يقضي على الهويات الفرعية المحلية التي تؤسس كيانات الدول.

لا نبخس أهمية الفنون الأدبية كلها وهي تعاني من هذا الضياع الجماعي في تحولات دراماتيكية مثيرة، مثلما هي تعاني من تحولات في أشكالها وجوهرها الفني، لتكون متفاعلة مع عصرها الجديد الذي يعيش صعوبات مضنية في انتشار الظاهرة الدينية المتطرفة وهي تخلط الأوراق لتحكم الكثير من حلقاتها في متون المجتمعات العربية التي شهدت تحولات سريعة من الدكتاتورية إلى الديمقراطية ومن اليمين إلى اليسار أو ربما حتى بالعكس.

الأدب بمصنفاته المتعددة لم يكن بعيداً عن هذه النيران العدوّة والصديقة، وربما أخذت الرواية حيزاً أكبر من هذا الاهتمام نظراً لمساحتها اللانهائية وتنويعاتها السردية المفتوحة على مجمل النصوص الأخرى في واقعها الثري، وربما هي الأقدر على الإجابات المتنوعة لأسئلة كثيرة تتعلق بالدين والسياسة والسلطة وآفاقها المتنازع عليها سابقاً ولاحقاً، لا سيما موضوعة الدين والمقدس فيه الذي تتحاشاه الرواية العربية متنازلة للسلطة الدينية الشكلية في الكثير من الأحيان وفي بلدان عربية كثيرة وقد نقول كلها بلا استثناء.

ليست الرواية بمعزل عن الفنون الأدبية والاجتماعية وعمّا يجري على الأرض العربية من صراعات سياسية وعسكرية جوهرها الدين ومشتقاته الطائفية بعد ما يسمى بثورات الربيع التي اجتاحت نصف الوطن العربي ودمرت بنيته الداخلية والعسكرية والاجتماعية والسيكولوجية وأثارت فيه الفتن والنعرات المذهبية. وليس جديداً أن تشغل الرواية المجال الأكبر من الاهتمامات السردية بوصفها الحاضنة المثالية للسرد تاريخياً في منعطفاته السياسية والاجتماعية والنفسية، ومع تحولات كل المنظومات الحياتية التي وقعت في باب المتغيرات الأيديولوجية واختفاء الكثير من المفاهيم السياسية والفكرية ونشوء حضارة رقمية وإلكترونية بقيت الرواية كفن قديم في معركة السرد تُظهِر إمكانياتها الجمالية دائماً وفي الحقب كلها. وهذا من قدرة الرواية على أن تستوعب المتغيرات الكبيرة في جمالياتها التي لا حدود لها وتتعامل معها بحداثاتها المتجددة.

في العراق ولبنان ليس غريباً أن تأخذ الرواية دورها الطليعي في المشهد الثقافي في السنوات الأخيرة وتكون شاهدة على مجمل التغييرات السياسية والاجتماعية بسلبياتها وإيجابياتها وتوثق جمالياً إرهاصات المجتمع والسياسة ومتفرعاتهما الكبيرة التي أنتجت أخلاقيات جديدة تعامل معها المجتمع بالنقائض المعروفة تحت غطاء السياسة الظاهري وغطاء الدين باطنياً، مع أن هذا الغطاء تكشّف كثيراً حتى بات من المسلّمات الظاهرة التي توجب التعامل معها كحقيقة لا بد منها.

وفي كلا البلدين شاعت توصيفات فنية لعدد من الروايات التي اهتمت بالهويات الدينية المحلية ورصدت المؤامرات الكبيرة التي يقودها داعش وأنصاره في المحيط الذي يحيط بهم لتكون حاضنة سردية لتوثيق مآسي الهوامش قبل المتون الكبيرة التي لم تجرؤ الرواية العربية عامة حتى اليوم على أن تُخضع السلطة الدينية المتطرفة لرقابتها ومحاكمتها. وهذا أمر بارز وواضح وإن وجدت قلة من الروايات التي تعاملت مع هذه السردية المهمة لكنها كما يبدو تحتاج إلى زمن آخر تتوارى فيه سلطة القمع المتطرفة.

كاتب عراقي

14
مقالات ذات صلة