الرواية والحب والحرية

الجمعة 2013/12/13

يخيل إليَّ أن الرواية العربية اليوم، بصيغها المتعددة، المنفتحة على عوالم جمالية، وتخييلية، تسعى إلى تمثل السلوك الحياتي بالتباساته وغموضه وتعقيده الظاهر والخفي، إنما تلتمس في موضوع الحب مثيرا للخوض في أسئلة أكثر تغلغلا في وجدان الأفراد في صلتهم بالمحيط الجماعي، أسلم بهذا الافتراض وفي ذهني عشرات النماذج الروائية التي يحضر فيها الحب من حيث هو آلية درامية للنفاذ إلى فضاءات، ومواقف، وموضوعات، وعوالم شخصية، تعكس الوعي الفردي في محيط عربي مكتنف بعوامل الضياع، والخوف، والعزلة .... ، من هنا قد تكون الصيغة الأنسب في السؤال المبدئي ليس هي هل تعبر الرواية عن الحب، وإنما لماذا تلتجئ في الزمن الحاضر إلى الحب؟

لنترك الضرورات الروائية والجمالية جانبا، فلقد فتن جورجي زيدان أجيالا بكاملها وعلمها التاريخ بروايات غرامية ساذجة، ولنطرح السؤال جذريا: ألا يمكن أن يكون الحب الروائي ، اليوم، تعبيرا عن غيابه بوصفه قيمة واقعية تلاشت تدريجيا، بفعل الضغوط القاسية للحياة اليومية؟، أليس بمقدورنا إقامة الدليل على أن الروايات العربية الجديدة، ترجمة لفقر عاطفي موجع؟ حيث ينتصب التخييل في مواجهة الكراهية، في مجتمعات ترزح تحت سلط قمعية راسخة الجذور؟

لن يكون بمقدورنا إذن أن نتحدث عن روايات حب خالص، أو حب عظيم وخالد، مثلما كان عليه الشأن في روايات محمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، وسميرة بنت الجزيرة العربية، ووفيق العلايلي، وغيرهم، حيث ازدهر الخطاب الروائي بما هو ثورة على الذكورية والمجتمع الأبوي، لكننا نستطيع اليوم، في المقابل، أن نتحدث عن علاقات روائية خالدة بين رجال ونساء، لا تغويهم كثيرا الأساطير العشقية الكبرى، سليلة أمثولة "روميو وجولييت"، قد يكون الحب -في هذه العلاقات- مجرد حافز، لا تعترضه بالضرورة عوائق المحيط العائلي، بقدر ما يكون ضحية ظروف أكبر قد تكون "الطائفية" أو"الحرب الأهلية" أو"الهجرة" أو الاختلاف العرقي والثقافي.... أو غيرها من الموضوعات.

الحب الروائي هنا يمثل بوصفه مدخلا لمسائلة معضلات فردية وجماعية اكبر وأقوى، وهي النتيجة التي انتهت إليها الرواية العربية اليوم، ببساطة لأنها لم تعد معنية بالمصائر السعيدة أو الشقية (الزواج أو الانتحار)، تولد الرواية العربية المعاصرة من رحم الالتباس، والمنطق الرمادي، من هنا نفهم كيف أن الحب الروائي اليوم هو بالأحرى مدخل لعلاقة قد تصير بالتدريج آصرة عادية، قد تنهي بعبارة باردة، مثل "أوكي مع السلامة" عنوان الرواية الآسرة لرشيد الضعيف.

الشيء الأكيد أن الحب هو في النهاية قيمة لا تفقد عمقها وثراءها الذاتي، وهو ما لا يغيب في عشرات النصوص الروائية اليوم، لكن اقترانه بمنغصات الحياة وتورطه في تفاصلها الأكثر اعتيادية هو ما يجعله ابن زمنه وابن فضاءاته المأزومة. من منا قد يقبل اليوم معجم الصبابة البلاغي، قد يبدو في حال استعماله مجرد محاكاة ساخرة لزمن الرومانسية، إنه يتموضع خارج اللغة الروائية التي تغوص في السخرية السوداء والشاعرية الموجعة، وفي المقابل ستتحول تفاصيل الانزياح من لغة العاطفة والوجدان إلى مشاهد الالتحام الجسدي، وما يتولد عنها من مفارقات وجدل بين مشاعر العشق والكراهية والعنف والألم والمرض، إلى مجازات تخييلية أكثر تمثيلا لتوق الأبطال إلى مفارقة قيمة الحب بما هو قيمة ضرورية، إلى كونه منفذا لحرية متنامية، سواء بالنسبة للشخصيات الروائية أو الروائي ذاته.

من هنا قد نرى في تطور الرواية العربية نوعا من إعادة تمثل أسطورة الحب، إعادة إنتاج العلاقة الجدلية بين العشيقين، من لعبة تشويقية، إلى مضمون قيمي عظيم، إلى ذريعة لمسائلة الأزمات، إلى مدخل لمعانقة الحرية، ويبقى السؤال إلى أي مدى ذهبت هذه الحرية، ، وإلى أي حد قهرت رقابة الذات المبدعة؟

__________

* كاتب وناقد من المغرب

14