الرواية والسخرية

تتبدّى السخرية صفعة الروائيّ على وجه الوحشية، وبرغم أنّها قد لا تبدو قويّة في البداية، لكنّها مع التراكم توسّع دائرة تأثيرها.
السبت 2018/09/08
لوحة: محمد ظاظا

هل السخرية نقطة قوّة أم ضعف في الرواية؟ ألا يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدّين؟

حين فازت رواية “الخائن” للأميركي بول بيتي بجائزة مان بوكر سنة 2016، تفاجأ بيتي بإضفاء توصيف الهزل على الرواية من قبل المؤرخة البريطانية أماندا فورمان التي كانت رئيسة الهيئة المانحة للجائزة، والتي كانت قد أشارت إلى قوّة السخرية كأسلوب روائيّ ومدى براعة الكاتب في توظيفها”، في حين أنّ الروائي قال بعد ذلك “إنّ مناقشة المظاهر الكوميدية في الرواية منع النقّاد والقرّاء من مناقشة أفكارها الجدّية..”.

يمكن للسخرية أن تكون مثار مدح أو ذمّ، وذلك بحسب جرعاتها المبثوثة بين طيّات الرواية، ويمكن للرواية أن تجمع بين السخرية والجد، وتعتمد السخرية أداة لنسف الجدّية التي يتمّ اتخاذها دريئة للاحتماء خلفها، ووسيلة للتخفّي والهروب من المواجهة.

وقد أدرك الروائيّون دور السخرية في واقع الحياة، لذلك قاموا بتوظيفها في رواياتهم، لتكون زاوية مقاربة من قبلهم لواقع مأسوي ظلامي، يغدو الهزل فيه الكوّة الوحيدة التي يتسلّل منها الضوء للمقموعين.

عمل روائيّون كتبوا عن محنة الطغيان ورسموا شخصيات الطغاة والمستبدين في أعمالهم على ضخّ كمّ كبير من السخرية فيها، لإظهار وجه مختلف لأولئك الطغاة الذين يحرصون على إظهار وجوههم المتجهّمة القاسية، والتي يحاولون عبرها التباهي بقوتهم وترويعهم لمحكوميهم.

لجأ الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى السخرية في روايته “خريف البطريق”، أظهر الطاغية المستبدّ بصورة هزلية مثيرة للضحك، والشفقة في بعض الأحيان، كأنّه كان ينتقم من الإرهاب الذي ينشره الطاغية طيلة حكمه، ويبديه بصورة كوميدية بائسة.

كما استعان يوسا أيضاً بالسخرية في روايته “حفلة التيس″ التي صوّر فيها حالة من حالات الطغيان، بحيث نسف بدوره جدار الحماية الحديدي الذي يسعى المستبدّ إلى فرضه لعزل نفسه عن الآخرين، والتفاخر بالوحشية والتخويف، وكانت المقاربة الساخرة والصورة المطروحة من آليات مجابهة الطغيان.

والتشيكي ميلان كونديرا سرّب في روايته “حفلة التفاهة” صوراً ومشاهد ساخرة عن القيادات الشيوعية في حقبة الاتحاد السوفييتي “لينين، ستالين..”، في محاولة للتعرية، والنيل من الإيذاء التاريخي الذي تسبّبت به للآخرين وبلدانهم.

عربياً تحضر نماذج كثيرة، منها مثلاً “حارة السفهاء” للتونسي علي مصباح، و”سماهاني” للروائيّ السودانيّ عبدالعزيز بركة ساكن الذي أظهر بدوره صوراً هزلية لسلطان طاغية كان يحكم زنجبار في القرن التاسع عشر، أثناء ما يسمّى بالوجود/ الاحتلال العُماني في زنجبار، وكان السلطان العُمانيّ يحكم بوحشية منقطعة النظير، ومن خلال رسم صورة كاريكاتيرية له، ينسف ساكن أسس دكتاتوريته ووحشيته، ويظهره كساذج تائه في علله، بعد أن يعرّضه لأكثر من انتقام، والانتقام اللفظي الساخر يكون ردّاً على العنف الممارس من قبله على محكوميه.

تتبدّى السخرية صفعة الروائيّ على وجه الوحشية، وبرغم أنّها قد لا تبدو قويّة في البداية، لكنّها مع التراكم توسّع دائرة تأثيرها، وتلعن مناخ الرعب والإرهاب، وتقضّ مضاجع المستبدين بتعريض صورهم بصيغها الصارمة الباعثة على الخوف إلى علامات للتنكيت والهزل.

15