الرواية والسطو على أفكار الآخرين

الاثنين 2015/11/16

هل تسعى الرواية إلى تقديم التسلية للقارئ؟ ماذا لو كانت تعتمد الاستفزاز وسيلة لإثارة فضوله وسبيلا لتقديم تسلية من نوع مختلف له؟ ما الذي يبحث عنه القارئ في الرواية ليتسلّى أو يتلهّى به؟ عمّ يريد أن ينقطع، وبمَ يريد أن يستعين؟ هل تجسّد الرواية جانبا من روح العصر الذي تصدر فيه؟ من أين يغترف الروائيّ صوره وأفكاره؟ هل يمكن توصيف تصويره لشخصياته بأنّه سطو على أفكار الآخرين وتعدّ على شخصيّاتهم؟

يصادف الروائيّ، أيّ روائيّ، عددا من القرّاء الذين يحاولون إبلاغه عن وجهات نظرهم، تلك التي تعكس رغباتهم في تسيير دفّة الأحداث في الرواية من هذه الوجهة أو تلك، ويفترضون لو أنّ الروائيّ لجأ إلى هذا الفعل، أو تلك الطريقة، لكان أجمل وأفضل، ويكون ذلك في جانب ما محاولة سطو معكوسة منهم على تصوّرات الروائيّ، ورغبة في إعادة رسم المشاهد بما يوافق رؤيتهم لعالم الرواية الذي هندسه الروائيّ بتفاصيله الدقيقة.

يعتقد الفرنسي إميل زولا (1840 – 1902) أنه طالما عوملت الرواية باعتبارها استراحة للنفوس، أو تسلية لا تتطلب من الفنان سوى شيء من اللطافة وبعض القريحة، ويرى أنه يسهل فهم تمثل أسباب الصفة العظمى للرواية، قبل أيّ شيء آخر، في إظهار أكثر ما يمكن من التخيل أو الاختراع.

وجد صاحب “التحفة” أن الأمر الأساسي يكمن في تحريك كائنات حية، وجعلها تلعب أمام نظر القراء الكوميديا أو الملهاة الإنسانية بأكبر قدر ممكن من مقومات الحياة الطبيعية، ذلك أن جهود كل كاتب تنحو إلى إخفاء المتخيل تحت إهاب الواقع.

لم يكتفِ زولا بوضع الحس الواقعي في الصدارة، بل يجد أنه لا ينبغي للروائي أن يكتفي بالرؤية فحسب، بل عليه أن يصوّر معالم روايته، لذا كانت هناك أيضا بعد الحس الواقعي، شخصية الكاتب. ويقول إن على الروائي العظيم أن يمتلك الحسّ الواقعي والتعبير الشخصي معا. وأنه لولا التعبير الشخصي لغدت الكتابة الروائية سطوا على أفكار الآخرين وأقوالهم، وتفقد الرواية تفرّدها وتميزها.

صرح الكاتب بغضبه من شكاوى ومزاعم أولئك الذين يزعمون أن الأدب انتهى وأن روح التجارة تطغى عليه، وأن المال يقتل الفكر. ويرفض أن يتمّ جعل الكاتب تاجرا كأيّ تاجر آخر، يفلح في بيع بضاعته أو لا يفلح، حسب علامة الصنع، ويغرف ثروة أو يموت من البؤس.

لا يخفى أنّ الرواية تظلّ من بين السبل الأدبية والفنية والإبداعية للتعبير عن روح العصر الذي تمثّله، وتصدر فيه، وتقاربه، وتراها متضمنة لمختلف الشخصيات التي ترسم الواقع بتناقضاته واختلافاته، والتي تأخذ مشاهد من الحياة، لتعيد تظهيرها حسب رؤية الروائيّ وصياغته الفكريّة والأدبية لها، بعيدا عن أيّ سطو أو وصاية.

كاتب من سوريا

15