الرواية والفقدان

الأربعاء 2015/10/07

لعل من أكثر الافتراضات النظرية دلالة تلك التي تقرن التكوين الروائي باستعادة عوالم منتهية، وقيم التبست بالذاكرة، وهو الافتراض الذي تتجلى عبره الصنعة الروائية بما هي تحايل على الذكريات، وامتحان للحنين ووعي بالمعابر والتبدّلات. وبقدر ما يبدو هذا التأويل متصلا بالمرجع البعيد في الروايات ذات السند الفنطازي ملتبس الحدود، فإن استعادة الأصول في النصوص التي تقرن الوجود الذاتي بالمعنى الروائي، تتجلى بوصفها علة للحكي، ومحركا للصوغ الأسلوبي، ومقصدا لجدلية الشخوص والفضاءات والمشاهد والأزمنة.

وأغلب الظن أن أعمال السرد الذاتية، والروايات الناهضة على صوت الباطن العميق، بقدر ما تختزل المواجهة المتواترة عبر الزمن بين التخييل والفقدان، فإنها في الآن ذاته تعيد التفكير في إمكانيات اللعبة الروائية، وترسم احتمالات مغايرة لسياقات الكلام ونسيج العلائق المنبثقة من سديم التفاصيل. فما بين الحنين والاستشراف حدس الاستمرارية، بنضحها المأسوي المأسور بين دفتي البدء والطي؛ ذلك ما ترسمه رواية مارسيل بروست النهرية “البحث عن الزمن الضائع” منذ جزئها الأول وإلى آخر الصفحات في الجزء السابع والأخير، حيث تمثل المحكيات المتعاقبة بوصفها تقليبا لصفحات الزمن المتلاشي بسرعة البرق، وتوقا إلى الإمساك بأطياف سرابية انغرست في خلايا الذهن، واستكناه سحر المسرات المخضلة بالعذوبة، وتحويل الاسترجاعات الغامضة إلى تخطيطات مجازية تغدو تمائم للروح، تمنح الكاتب القدرة على مكابدة العيش، والاطمئنان إلى أن فسحة الحياة لم تنفلت من ساعة الرمل وإنما هي حاضرة، “مستقرة” على بياض خالد.

بديهي إذن أن تتمثل عملية الكتابة الروائية في مجملها بوصفها بحثا عن مجاوزة الفقدان الحسي إلى ترسيم الأثر المستشري في النسوغ، ذاك الذي لا يمّحي من باطن الوعي بإزاء المدن الأليفة والوقائع التاريخية الفارقة، ولا يندثر رسمه من صور نساء ورجال وأسر وأسماء، وشوارع ومقاه وساحات، وغرف متلفعة بالبهجة أو مغرقة في السواد، عبرت إلى الفناء دون أن تخلد أطيافها إلى ضفاف المحو.

ذلك ما تحيله إلى الذهن الحسرة التي تنبعث من اعترافات فلاسفة ومؤرخين ونقاد أدب فاتهم أن يكتبوا الرواية، أو امتنعت عليهم، أو حتى كتبوا نصوصا ملفقة لا ترقى إلى مجدهم الفكري، ولا يتعلق بتنويع الكتابة، ولا الخروج عن النسق الواحد، ولا حتى بشهوة تخييل عابرة، بقدر ما تنصرف الرغبة إلى استنبات حياة جديدة من تربة ذاكرة هرمة، تتلاحق خسارتها، ولا سبيل إلى الحيلولة دون مضيها إلى مستقرها الحتمي في العدم… ففي النهاية تبقى الرواية وحدها فن المواجهة مع الخسارة في الأعمار والأمكنة والأجساد، والمتع، المنذورة للفناء.

كاتب من المغرب

15