الرواية والواقع والخيال

لم يكن همنغواي مخطئا تماما في تصوراته المذكورة لأن الكتابة الروائية منذ نشأتها ولدت اعتمادا على ما يبتكره الخيال من شخصيات وصور وأحداث وملابسات ومفارقات.
الثلاثاء 2019/03/19
شخصيات بين الواقع والخيال

في واحدة من قصصه، ينتحل إرنست همنغواي اسم نايك أدامز مثلما اعتاد أن يفعل في العديد من قصصه الأخرى، ويذهب إلى النهر ليصطاد التروتة. وأثناء الصيد، ينشغل بالتفكير في الكتابة الروائية، مُستحضرا كتابا آخرين، ومُعلقا على أعمالهم. وعن جيمس جويس، يقول إن شخصية ستيفان ديدالوس في روايته الشهيرة “أوليسيس” لم تكن مثيرة للاهتمام لأنها تشبهه كثيرا. ثم لأن جويس لم يجنح إلى الخيال لابتكارها مثلما فعل مع ليوبولد بلوم وزوجته مولّي بلوم في نفس الرواية. ويرى إرنست همنغواي أن ضعف الخيال في ابتكار الشخصيات الروائية يسيء إلى فن الرواية، ويجعلها مسطحة وخالية من الإثارة. وهذا هو حال الكاتب روبرت ماك ماهون الذي “يكتب قريبا من الحياة في واقعيتها المسطحة” في حين أنه يتحتم على الروائي أن “يهضم الحياة لكي يبتكر شخصياته”.

ثم يعود همنغواي إلى نفسه، ويقول إن شخصيات قصصه ورواياته كانت مختلفة عن الشخصيات التي قد تكون أوحت له بابتكارها. ففي قصة “قرية هندية” مثلا، ابتكر شخصية المرأة الهندية من وحي امرأة تركية رآها تضع طفلها على الطريق المؤدية إلى مدينة كاراغات، وهبّ لمساعدتها. ويضيف همنغواي قائلا إنه كان ينفر دائما من تكرار ما يفعله الكتاب الآخرون، وإنه يرغب في ألا يكتب مثلهم، بل مثلما يرسم الفنان الفرنسي بوا سيزان لوحاته خصوصا عندما يتعلق الأمر بالريف.

ولم يكن همنغواي مخطئا تماما في تصوراته المذكورة لأن الكتابة الروائية منذ نشأتها ولدت اعتمادا على ما يبتكره الخيال من شخصيات وصور وأحداث وملابسات ومفارقات. وقد يكون سارفانتس استوحى شخصية دون كيخوته من أحد الفرسان الحالمين والواهمين، بل لعله كان هو نفسه دون كيخوته، لكن الخيال جعل من تلك الشخصية منفردة بذاتها بحيث لا تشبهها أي شخصية أخرى. وعندما ألح القراء في سؤال فلوبير عن المرأة الحقيقية التي استوحى منها شخصية مدام بوفاري حسم الأمر برصانة وهدوء قائلا “مدام بوفاري هي أنا”.  

ولو اقتصر نجيب محفوظ على وصف حواري القاهرة كما هو حالها في الواقع لما أثارت رواياته وقصصه إعجاب القراء في جميع أنحاء العالم. وكان الطيب صالح دائم التهرب من الجواب على السؤال التالي: من يكون الشخص الذي استوحيت منه شخصية مصطفى سعيد؟ فهل يكون الطيب صالح نفسه قبل أن يرتدي جلابية التصوف البيضاء، أم هو واحد من أصدقائه أيام الدراسة الجامعية في لندن؟

ولكن يمكن أن يتجرد الكاتب من الخيال نسبيا، ويلتصق بالواقع التصاقا قويا لكي يكون عمله الروائي ناجحا ومتميزا. الشرط الوحيد هنا هو التقنيات الفنية والأسلوبية التي يبتكرها الكاتب، وقدرته الفائقة على جعل الواقع أغرب من الخيال. وهذا ما حدث مع الكاتب الأميركي ترومان كابوتي في روايته الشهيرة “بدم بارد”. ففي هذه الرواية يحقق في أطوار جريمة فظيعة هزت المجتمع الأميركي في الستينات من القرن الماضي. وقد تمثلت تلك الجريمة في قيام شابين منحرفين بقتل أفراد عائلة في ضيعة ريفية. وكان على ترومان كابوتي أن يمضي سنتين كاملتين في استجواب الشابين لكي يجمع مادة روايته التي حازت على شهرة عالمية، واعتمادا عليها أنجز فيلما بديعا.

14