الرواية وصراع الذاكرة والهوية

الأحد 2013/12/15
اختيرت كأفضل رواية في معرض الشارقة للكتاب

تعدّ الذاكرة خزّان الروايات والحكايات والأساطير، يمتح منها الروائيّون قصصهم، يضيفون إليها، يختلقون تفاصيل مكمّلة لها، وذلك في بنائهم لعمارتهم الروائيّة، وتكون الذاكرة مَعْبراً بين الأزمنة والأمكنة، وفضاءً منفتحاً، حيث تتقدّم مُنطلقة في عالم الرواية، مُوشكة تسيّد الكثير من الفصول، حتّى رواياتٍ بأكملها، لتصل بهويّتها إلى مرحلة التبلور المنشودة..

في رواية «علي الأميركاني» للروائية اللبنانيّة هالة كوثراني التي اختيرت كأفضل رواية عربية في معرض الشارقة للكتاب في دورته الحادية والثلاثين، وتقع في 174 صفحة من القطع المتوسّط. تستلهم كوثراني من الذاكرة، لتتحدّث عن حالة المنفى الداخليّ والخارجيّ للإنسان، ويتمثّل ذلك المنفى في شخصيتي بطليها؛ عليّ الشابّ العائد من أميركا، وحبيبته شيرين، اللذين التقيا بعد أكثر من عقدين في لبنان.

تعود الراوية شيرين بالذاكرة إلى مرحلة طفولتها المتأخّرة، حين كان عليّ على أعتاب الدخول في مرحلة الرجولة، ترقبه، تتأمّل تفاصيله، تُربكها بسمته ولفتته، تشتاق للبقاء معه والاستماع بحديثه ورفقته. تكون الذاكرة بالنسبة إليها ملاذاً، تستعين بها لتتغلّب على أسى الواقع المفجع الذي يكون عليّ فيه بعيداً عنها.


أنسنة الأشياء

تؤنسن الراوية كلّ ما يتعلّق بعليّ، فمروره بالأشياء يكفل ببثّ الحياة فيها، عودته إلى بيت العائلة الذي هجره تعيد الروح إليه. تكون في البيت شواهد تدلّ عليه، وآثار تذكّر به. وأثناء ذلك تكون لأغراض البيت كينونة مستقلّة، تتّخذ طريقاً في الذاكرة، فالمرايا مثلاً، تمتاز بسلطة غريبة، لم تنكسر أيّة واحدة منها في البيت، بل ظلّت محتفظة بسلامتها واتّقادها وشوقها إلى الأسرار وحكايات الحبّ والكراهيّة ومسرحيات أبطالها الغائبين عنها وعقدهم.. تخمّن شيرين في منطق المرايا، توحي بأنّها ربّما تكون قادرة على محو اللحظات الماضية، وأنّ الصورة الجديدة تمحو التي سبقتها، وأنّها عساها تحتفظ بشبابها عبر هذا الأداء.

تصف الراوية لحظة التلاقي بين البطلين، حيث تتبعه شيرين تقتفي أثره، يقودها الحبّ الماضي المستمرّ المتعاظم في قلبها وروحها لتتعرّف إليه، تنتابها حيرة إزاء عدم تعرّفه إليها.

تسرّ لنفسها بأنّها ستهزّ ذاكرته، ستذكّره بصمتها أمام عينيه، بالقصائد التي كتبتها ولم يقرأها، بضياعها الطفوليّ حين كانت تتخيّله يناديها..

تتذكّر تلك المشاعر التي كان لها تأثير كهربائيّ فيها، لكنّها لم تعشها مرّة أخرى من بعده، تجد نفسها خائفة في البيت الذي كان بركاناً للخوف، حيث الخوف من انفجار الخلاف داخل جدرانه، وانفجار الأسرار المكبوتة والمدفونة حيّة فيه. تخاف من معارك الإخوة وخطط الرحيل الموجعة.

تتردّد شيرين في مكاشفة عليّ ومواجهته بشوقها العارم إليه، وحين تقرّر محادثته تحار من أين تبدأ، تتذرّع بأنّها تصادف أن كانت في زيارة للقرية، واستغربت لرؤيتها الباب مفتوحاً، فدخلت لتكتشف ما يجري، ولاسيّما أنّها تعرف بأنّ البيت مهجور.. وبعد دردشة بسيطة، تعرّفه بنفسها، تحاول استثارة ذاكرته، لكنّه يبدو بعيداً عن عالمه السابق، الذي لم تكن شيرين تحتلّ فيه أيّ حيّز يُذكَر.

تركيب الماضي

تُوقن الراوية أنّ عليّاً هو بطل روايتها، وذلك بعد موت الشاعر الذي كانت ترى فيه بطلها الروائيّ المنشود.

رواية تقع في 174 صفحة من الحجم المتوسط

تعيد اكتشاف وجوده، تشعر بنفسها أنّها تطارده على محرّكات البحث، لتقرأ له وعنه، وتتعرّف إلى تفاصيل حياته وإنجازاته وتنقّلاته.. وحين لم يذكرها بدقّة، وجدت في ذلك إيذاناً ببدء اختلاق القصص والحكايات، تحاول تركيبها وترتيب حياته بناء على ما سترويه، ظانّة أنّها ستساعده بذلك على إعادة الجماليّات، كأنّه يكتب سيرته بالعودة إلى مشاهد تسمح له بتركيب الماضي، عبر العودة إلى المكان الذي وقعت فيه تلك المشاهد، والتي شكّلت جزءاً من سيرته وذاكرته، تساعده على إعادة تركيب سيرته ليفهمها، عسى أن يكون الغد أكثر رقّة عليه.. تقول شيرين إنّها ستكتب سيرته، وأنّها ستعود عبر قصصه إلى عالم الكتابة، وتمنح نفسها الحقّ باختراعه، وإعادة بناء شخصيّته، وخلق هويّته في كلماتها وجعله بطل روايتها وحياتها.. يكون عليّ بالنسبة إليها الرجل الطموح الذي توحّد فيه ما تشتهي وترغب من مزايا وصفات.

ترى فيه الشاعر الذي مات، وحلمها القديم الذي يعود إلى الحياة، يكون لها شرارة روايتها التي تهمّ بكتابتها، حيث الكتابة تفكّك غموض أحاسيسها تجاهه، تساعدها على الفهم، إذ يتبدّد ذاك الغموض بتفهّم أسباب استمرار وجوده فيها..

تجد الراوية أنّ الكتابة هي ما تحتاج إليه لتحقّق بعضاً ممّا أرادت تحقيقه من قبل وأخفقت فيه. تخمّن أنّها ستمكّنها من ملاعبة الذاكرة وتجييرها للتقرّب من بطلها، وأنّها ستعرض عليه مشروعها بجعله بطلاً، في حين هو سيجعلها كاتبة، وذلك في عملية تكامل حياتيّة وكتابيّة، يكون فيها كلّ منهما للآخر المسعف المداوي.

يتحدّث عليّ في الرواية بصوت مسموع مدوٍّ، يقول إنّه عاد ليجد أنّ كلّ شيء تغيّر، وأن لاشيء تغيّر، وأنّه عاد ليجد الحقد قد صار أقوى وأكثر تأثيراً في النفوس، وأنّ كلّ مَن في البلد متمسّك بذاكرة مختلفة تماماً عن ذاكرة الآخر. يبوح بهواجسه حيال الذاكرة «ليست الذاكرة مشروعاً اجتماعيّاً وتاريخيّاً، هي مشروع سياسيّ يؤدّي فيه اختراع الحقائق الدور الأهمّ، هي مشاريع سياسيّة.

أقصد أنّها ذاكرات». (ص 39). تستنطقه الراوية المتماهية مع الكاتبة في عملية تبادل أدوار، حيث الرواية داخل الرواية تستكمل دورتها عبر الكثير من التفاصيل، تختار أيّام الأسبوع من غير ترتيب لتكتب الذكريات والتأمّلات والوقائع، وكأنّها في تقديم أيّام الأسبوع بترتيبها الخاصّ، تشير إلى تقويم نفسيّ مختلف من جهة، وإلى فوضى تدفّق الذكريات نفسها وابتداعها من جهة أخرى.

تسترجع متخيّلة لقاءه بخطيبته الأميركيّة، ثمّ تشتّته اللاحق وعودته إلى حضن بلده، وضمناً إلى حضنها، أنّه كان بين احتمالين، إمّا النسيان الكلّيّ للجذور والقبول بضياع الهويّة والتاريخ، أو ابتلاع العقد التي تنمو وتتراكم وتصبح وحشاً يدهسه ويسحقه على مهَل، ولا يقبل بسحقه بضربة واحدة، بل يقضي عليه ببطء، وأنّه مطالَب بنسيان نفسه فضلاً عن تاريخه ووطنه. تسعد شيرين بكتابتها عن عليّ، تشعر أنّها بدورها تتخفّف من أعباء الذاكرة وثقل المنافي المرتحلة معها وفي داخلها، وأنّها تبتكر بالكتابة عالمها البديل. تفهم منه أنّ الهويّة تُبنَى وأنّه توصّل إلى ذلك في غربته، وهو ما عاد ليبحث عنه في بلده، تساعده في تحريك ذاكرته من أجل جعل الماضي حاضراً وهدم المسافة الزمنيّة بين الأزمنة وأهلها.


الصفة والموصوف

بالكتابة تخترع لنفسها وله عوالم بديلة وهويّات جديدة، بعد أن أجهضت الهويّة وفقدت في صراع الواقع المرير. يتذكّر عليّ محقّقاً غايتين معاً، يحمي هويّته الشخصيّة من الاندثار، يبنيها بالذاكرة، ويساهم في بناء رواية شيرين وحياتها الجديدة.

تكون الأنا في الرواية الضميرَ المهيمن على السرد، الراوية تكون الحكواتيّة لسان حال الشخصيّات كلّها. كما أنّ العنوان يحمل طرافة ومرارة في الوقت نفسه، وتحديداً في توصيف عليّ بالأميركاني، لأنّ هذا الوصف يندرج في إطار المداعبة والملاطفة والهزء والسخرية وتبسيط الجنسية المكتسبة أو الانتماء غير الكامل، أو هو نوع من تحميل الصفة إلى موصوف لم ينل استحقاق التنسيب تماماً، نسبة إلى أميركا، لكن بدرجة أدنى من توصيف أحدهم بالأميركيّ، ولهذا يكون هذا التوصيف مَعبراً إلى الذاكرة، والتشكيك بالهويّة والمنفى، والبحث عن انتماء حقيقيّ غير مضلّل. وتتماهى الأمّ الفاقدة للذاكرة مع الوطن الذي يشرد عن ذاكرته، ويتغافل عنها إرضاء لبعض السياسات أو الامتيازات.

15