الرواية وصراع المقدس والمدنس

يختصر الإنسان لعبة المقدّس والمدنّس، فما هو مقدّس لدى فلان قد يكون مدنّسا لدى آخر، وبالعكس، أي أنّ الفكرة بحد ذاتها تظلّ موضع تجاذب، وتثير مقاربات وأسئلة واجتهادات بشأنها
الاثنين 2018/05/07
غرابة الصراع في بحر النقائض

تنقل الرواية صورا من الحياة، ترسم حياة بديلة على الورق، حياة متخيّلة بتفاصيل واقعية، أو تفاصيل مستقاة من الواقع موظّفة في سياق التخييل الروائي الذي يضفي عليها فنيتها وتميّزها.

ربّما يكون الصراع بين المقدّس والمدنّس أحد المواضيع الأثيرة التي لا ينفكّ الروائيون يقاربونها، ويسعون لمعالجتها بسبل شتّى، ويحتفظ موضوع كهذا بتجدده مع كل مقاربة روائيّة لافتة له. وربما بالإمكان تصوير هذا الصراع كمنهل للروائيين، أو كفخّ إذا أسيء توظيفه.

يختصر الإنسان لعبة المقدّس والمدنّس، فما هو مقدّس لدى فلان قد يكون مدنّسا لدى آخر، وبالعكس، أي أنّ الفكرة بحد ذاتها تظلّ موضع تجاذب، وتثير مقاربات وأسئلة واجتهادات بشأنها. وما يبدو مثار اختلاف، أو يشتمل على النقائض، يكون مانحا فضاءات شاسعة للروائيين الذين يسعون للإبحار في تلك العوالم، واستقاء التجارب المختلفة منه، أو تخيل تجارب غرائبية على أساس غرابة الصراع في بحر النقائض نفسه.

في روايته “نرسيس وغولدموند” عالج السويسري من أصل ألماني هيرمان هسه (1877 – 1962) الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1946، صراع المقدس والمدنس، أو فكرة البحث عنهما، واختلاف السبل المفضية إليهما، من خلال بطليه؛ الراهب نرسيس وصديقه غولدموند الذي اختار دربا مختلفا عن دربه. صور هسه مسعى كل امرئ للعثور على إيمانه وقناعته ودربه ليرسم خارطة حياته وسلامه، من دون الوقوع في شراك ما يحوكه الآخر له، وكأن البحث عن الطريق هو الغاية في كثير من الأحيان، أو يكون أبلغ رسالة على إمكانية الوصول إلى الغاية المرجوة.

تجسد كل من الشخصيتين في الرواية فلسفة حياتية على النقيض من الأخرى، ينقل هسه من خلالهما تجليات فكرة العجز والقدرة، دور الفن في بث طاقة ساحرة في كيان الإنسان، ودفعه إلى الإبداع، وكيف أن الإرادة الحرة تتجسد مقابل التقيد، والهروب إلى الأمام في مواجهة السكنى في وحشة الخوف وفي محنة التردد والتخبط والضياع، وذلك كله من خلال لقاء نرسيس وغولدموند، لقاء المقدّس والمدنس، وسلوك كل واحد منهما دربه إلى مستقبله، حيث افتراق السبل والتقاء الغايات، وتثرى الحياة بالتنوع وتتشكل بناء على جماليات الاختلاف ومفارقات الحياة وبهجتها الكامنة في تفاصيل كثيرة تشكل علامات مهمة في رحلة الحياة نفسها.

يضع الروائي جنون بطله غولدموند الذي يسبغ عليه سمات القداسة بصيغة ما، مقابل تعقل الراهب الذي يكون يحيا حيرة متجدّدة بين فكرة المدنس والمقدّس نفسها، يجسد عبرهما الغريزة في مواجهة التعفف، والبحث عن الارتواء من الملذات الدنيوية مقابل الاكتفاء بلذائذ الروح والفكر، ومغترفا من نهر الحياة حكمه المبنية على تجاربه، من دون أن يعكر صفو الآخر الهادئ في معتزله، الذي يعيش بدوره وسط براكينه الداخليه غير الظاهرة للمحيطين به.

15