الرواية ومناهضة سرديات المستعمرين

العديد من الروائيين ناهضوا سرديات المستعمرين، وصوّروا الفظائع التي يقترفها المستعمرون بحق أبناء المستعمرات، وكيف أنهم كانوا يتعاملون معهم كأشياء لا قيمة لها.
الاثنين 2018/06/18
قسطنطين جورجيو أبرز في روايته "شحّاذو المعجزات" جنون شهوة الغزو والسيطرة

تظلّ القضايا الإنسانية متجددة عبر الأزمنة، ويظلّ الأدباء يدورون في فلكها، يستقون منها ويعالجونها بمختلف السبل، تراهم يلجؤون إلى تجريب أشكال الكتابة والأدب لكشف النقاب عنها وتقديمها للقرّاء بحلل معاصرة كلّ مرة.

يكون الأدباء أمام رهان التجديد حين خوضهم مغامرة تصوير قضايا كبرى تحظى بكثير من المناقشة والمساجلة والتحليل والتفكيك، ويكون التحدّي الأبرز ماثلاً أمامهم ومتجسّداً بسؤال الترهين والمعاصرة والإسقاط، والجديد الذي يمكن أن يضاف إلى التراكم الموجود في هذا الباب.

ناهض العديد من الروائيين سرديات المستعمرين، وصوّروا الفظائع التي يقترفها المستعمرون بحقّ أبناء المستعمرات، وكيف أنّهم كانوا يتعاملون معهم كأشياء لا قيمة لها، أو أشياء تكتسب قيمتها لتصادف وجودها في حضرتهم كمستعمرين وبمعيّتهم كمتحضّرين. بحسب ما يحلو لهم توصيف أنفسهم والتباهي بذلك.

أبرز بعض الروائيين الذين قاربوا واقع المستعمرات في الرواية كيف أن العنصرية تبدل ألوانها وصيغها وتجلياتها، كما توجد لنفسها أراضي جديدة كل مرة، ولا تعدم السبل لمنح الضحايا أنفسهم ذرائع للتحوّل إلى جلاّدين، وتبقي الانتقام كارثة متجددة كذلك، حيث يبقى الدائرون في مستنقعه الدموي لفترات طويلة.

وأبرزوا كذلك واقع أن الاستعمار لا ينتج إلا المآسي ولا يخلف وراءه إلا الدمار، وأن المزاعم والأكاذيب التي يسوقها لتبرير عدوانه تنقلب عليه، وذلك بعد أن تكون قد تسببت بفجائع تاريخية لأولئك الذين وقعوا بين براثنه المسمومة. وواقع أن الاستعمار يترك خلفه قنابل موقوتة؛ اجتماعية وسياسية واقتصادية، دائمة التفجير والتدمير، وحين يكشف الروائيّون عن صور العنف والجنون فإنّهم يساعدون في تشخيص العلل والكوارث على أمل تلافيها ذات يوم، بعد الاعتبار منها.

أظهر الروماني قسطنطين جورجيو (1916 – 1992) في روايته “شحّاذو المعجزات” كيف أن تدخل الدول الكبرى في شؤون الدول الضعيفة يساهم في تفتيت بنى تلك الدول أكثر، ولا تجدي مزاعم الاستعمار في تطويرها بأي شكل من الأشكال، بل تلعب دورا سيّئا في دفعها إلى التناحر والاحتراب والخراب، وتترك خلفها قنابل موقوتة من العداوات المتفاقمة. كما يبرز جنون شهوة الغزو والسيطرة التي تتحكم بأولئك المدفوعين بعبودية المال والهيمنة، وعدم تقبلهم أي دور للآخر إلا كتابع لهم، والتخطيط للدمار بشتى السبل، وتصدير الأكاذيب تلو بعضها في مفارقة سمجة لقلب الموازين، وإظهار ذلك الجنون كنوع من التضحية في سبيل تحسين أوضاع الآخر.

لعل جزءا من عبث اللغة ومراوغتها يكمن في اشتمال كلمة المستعمر على نوع من الخداع اللفظي والمعنويّ، ذلك أنّ مَن يفترض به أن يساهم في الإعمار يكون في حقيقته لصّا للتاريخ والتراث والكنوز والبشر، ومستنزفا للبلاد المستعمَرة وثرواتها ومجيّرا إياها في خدمته ولصالحه.

لا يخلّف المستعمر خلفه إلا الدمار في مسار صناعته لأسطورته وتدمير الآخرين بحجة ترقيتهم، وربّما تعكس صرخة “جئتكم غازيا” لمصطفى سعيد بطل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للسوداني الراحل الطيب صالح، جانبا من الجنون المعاكس، والتوق الذي يدفع أبناء المستعمرات إلى الاقتصاص من مستعمريهم السابقين بطريقتهم، والردّ على الاستلاب التاريخيّ الذي تعرّض له بلدهم بأسلوب لا يخلو بدوره من سير وراء نداء الجنون الذي أعمى المستعمر نفسه.

15