الروبابيكيا كنز الفقراء في مصر

تجارة الأشياء القديمة مهنة من لا مهنة له كما تعتبرها الأغلبية من المجتمع المصري، ويشتغل فيها الكبير والصغير، وأصبحت في المدة الأخيرة تستوعب حاملي الشهادات العليا من الذين لا يفضلون انتظار وظيفة قد تأتي وقد لا تأتي، لذلك يختارون هذه التجارة التي لا تستدعي مهارات أو اختصاصات، فقط البعض من الصبر والحظ اللذين قد يجعلان تاجر “الروبابيكيا” من أغنياء التجار.
الجمعة 2016/08/26
الأنتيكة للأغنياء

القاهرة - “بيكيا” أو “روبابيكيا” كلتاهما كلمتان معروفتان في مصر، ولهما جذور غربية تحمل نفس المغزى، يستخدمهما أشخاص يعملون في مهنة يطلق على أصحابها “سرّيحة” يشبهون الباعة المتجولين.

هؤلاء يطلبون شراء كل ما هو قديم، اعتاد مصريون بمختلف أجيالهم على سماع أصواتهم وهم يجوبون الشوارع صباحا مساء، يرددون الكلمتين بصوت مرتفع، بحثا عمن يبيع لهم أشياء أصبحت غير مجدية لديهم، لكنها عند “السرّيحة” لها قيمة كبيرة، ربما تجعلهم بمرور الوقت من الأغنياء.

التطور الحاصل في الكثير من المهن الصغيرة داخل المجتمع المصري لم يصل بعد إلى مهنة بائع “الروبابيكيا”؛ وهي كلمة معربة من أصل إيطالي وتعني الملابس القديمة، فـ”روبا” معناها ملابس و”بيكيا” تعني القديم.

ظلت المهنة تقليدية، كما بدأت قبل العشرات من السنين، فلم يختفِ صوت البائع أو يغيب عن المرور اليومي على الكثير من المنازل دون الارتباط بمنطقة راقية أو أخرى شعبية، وهو يستقل تروسيكل (صندوق تجره دراجة بخارية) أو عربة “كارو” مصنوعة من الخشب يجرها حصان.

لم يصل أكبر تاجر بسوق “الروبابيكيا” في مصر إلى حلم “الرجل المليونير” دون أن يكون له ماض شاق وتاريخ طويل في المهنة، فأكثر العاملين طافوا الشوارع وبحت أصواتهم بحثا عن الأشياء القديمة.

وبعد سنوات بدأوا فتح قنوات اتصال مباشرة لتوريد ما قاموا بشرائه إلى المصانع التي تعيد تدوير هذه المنتجات مرة أخرى، حتى أصبحوا من القواعد الأساسية التي تقوم عليها مصانع كثيرة، تعمل في إنتاج الأوراق والحديد والصلب والبلاستيك، وكلما كانت “الروبابيكيا” عالية الجودة، كان المقابل المادي مرتفعا.

ينظر العاملون في هذا المجال إلى “الروبابيكيا” على أنها مهنة لأطياف مختلفة، لا يحتاج فيها الفقير إلا لأن يعمل لسنوات “سرّيحا” ثم موردا للمخازن، ومع الوقت قد يصبح من العناصر التي تمتلك مخزنا كبيرا، تعتمد عليه بعض المصانع لتشتري منه كميات كبيرة يمكن إعادة تدويرها.

تزداد أهمية من يعمل في هذه الحرفة إذا كان ممن لديهم قدرة على إقناع الناس لشراء ما لديهم من مستلزمات (أجهزة كهربائية مختلفة وملابس….) ” قديمة” يمكنه بيعها إلى المصانع مباشرة دون أن يمر على حلقة “المورد إلى المصانع”.

كل شئ يباع ويشترى

مكاسب بلا ضرائب

مع زيادة معدلات البطالة في المجتمع المصري، لم يعد اللجوء إلى مهن مثل بائع ومشتري “الروبابيكيا” أمرا معيبا بالنسبة إلى الكثير من الشباب لمواجهة متطلبات الحياة اليومية من خلال اقتصاد غير رسمي، حتى وإن كانوا من حملة شهادات جامعية.

ما أعطى هذه المهنة طبيعة خاصة أن العاملين فيها لا تفرض عليهم ضرائب من الحكومة، فضلا عن أن التطور الحاصل في المجتمع نفسه بالبحث عن كل ما هو جديد في مستلزمات المنزل والتخلص من القديم بأنواعه، ساعد على رواج فكرة العمل في هذه المهنة.

لا تنحصر الأشياء التي يشتريها أصحاب هذه المهنة من المنازل في مستلزمات محددة، وكثيرا ما يرى الناس البائع يسير بعربة متواضعة وهو يحمل عليها مقتنيات لا تمت لبعضها بصلة، من ملابس قديمة وأواني طهي نحاسية أو ألومنيوم وأدوات كهربائية متنوعة وقطع سيراميك ورخام محطمة، كل منها سوف يذهب إلى المورد الخاص به.

ويتم توريد المعادن مثلا إلى مصانع الحديد والصلب، والأدوات الكهربائية تباع إلى المصانع الخاصة بها، وكذلك السيراميك أو البلاستيك والأخشاب.

تجولت “العرب” في عدّة مناطق مخصصة لجمع ما تم شراؤه من مستلزمات قديمة، وأهمها “عزبة أو حشيش” في منطقة غمرة بوسط القاهرة، وشارع العشرين بمساكن عين شمس شمال العاصمة، وعزبة “أبوقرن” بمنطقة مصر القديمة، التي تضم الآلاف من التجار العاملين في سوق “الروبابيكيا”.

وهناك يجتمع المئات من العمال والباعة لفرز البضائع التي تم شراؤها تمهيدا لبيعها مرة أخرى إلى كبار التجار.

وفي هذه المناطق يبدو كل شيء قديما، من حوائط معلقة عليها هياكل معدنية وماكينات قديمة وأجزاء من أبواب ونوافذ قديمة، والعشرات من الأكوام الهائلة من أعمدة الإنارة البالية، وأبواب السيارات الصدئة، وأوان نحاسية وأدوات كهربائية لا حصر لها.

مهنة المهمشين مليئة بالأغنياء

بين ركام البضائع القديمة، ينتشر أشخاص وجوههم شاحبة وأجسادهم منهكة يرتدون ملابس رثة، يتوزعون وسط أكوام من الألواح المعدنية القديمة المتراكمة على جوانب المحلات والطرق، وآخرون بثياب متسخة ينتشلون أسياخ الحديد المقطوعة استعدادا لحملها ونقلها إلى مخازن كبيرة يمتلكها “مليونيرات المهنة”.

قد لا تتفاجأ عندما تجد بين كل هؤلاء مواطنين جاؤوا لشراء أثاث خشبي يحتاج فقط إلى صيانة بسيطة، باعه أصحابه لحاجتهم إلى تجديد أثاث المنزل فقط، وهناك من يقبل على اقتناء أجهزة كمبيوتر قديمة، وآخرون يشترون ثلاجات وغسالات وتلفزيونات، أو مكاتب مستعملة، من المخازن المنتشرة، إلى جانب إمكانية شراء انتيكات وغيرها من المنتجات، كالجلود الطبيعية والملابس القديمة.

يرى محمود صلاح، وهو بائع “روبابيكيا” متجول، أن التجارة في هذه المهنة عبارة عن حلقات متصلة، لا يمكن لواحدة منها أن تتغول على حساب أخرى، فكل واحد في تلك التجارة له تخصص، ويتم تصنيف العاملين إلى فئات عدة، أهمهم “السريح”، وهو عصب المهنة، حيث يتجول في الشوارع، وبعضهم يعمل لحسابه الخاص كبائع متجول وتاجر في أسواق “البالة” (أي الأشياء المستعملة)، وهناك “سرّيح” مهمته جمع وبيع كل ما هو قديم لتاجر آخر متخصص، ومنهم من يعمل لصالح تاجر أو مورّد معين مقابل أجر يومي محدد.

وأضاف لـ”العرب” أن الموردين هم الفئة الأكثر استفادة، وبعضهم يحقق أرباحا طائلة وأصبحوا من ذوي الأملاك، ويقوم هؤلاء بجمع “الروبابيكيا” من التجار وفقا لتعاقدات، ثم يبيعونها إلى المصانع التي من الممكن أن تدفع أسعارا مضاعفة.

وأوضح أن التاجر يعطي “السرّيح” يوميا ما بين 500 وألف جنيه (ما يعادل من 50 إلى 100 دولار) ليشتري بها الأشياء القديمة من المنازل، ويملي عليه الأسعار التي يشتري بها، وهي غالبا ليست ثابتة، وتتفاوت طبقا لنوع السلعة، وكل بائع يحتكر منطقة سكنية بعينها، ومن الصعب تغييرها بعدما عرفه سكانُها وحفظ شوارعها.

اللافت أن بائع “الروبابيكيا” أصبح يفضل المناطق الشعبية وساكني العشوائيات على المناطق الراقية، لأن ما يحصل عليه من هناك أسهل في بيعه، كالنحاس والحديد والبلاستيك، أما المناطق الراقية فتبيع ما يعتبر رفاهيات يصعب بيعها للتجار والموردين للمصانع، لأنها تحتاج لأن تباع فقط للمواطنين الباحثين عن أشياء “نصف قديمة” لاستخدامها في منازلهم، مثل أثاث الأخشاب أو الأدوات المنزلية.

بائع "الروبابيكيا" يفضل المناطق الشعبية وساكني العشوائيات

رحلة الصعود

مع أن أصحاب هذه المهنة معظمهم من الفقراء، إلا أنها مليئة بالأغنياء، ومن هؤلاء سيد الفار (صاحب مخزن كبير) الذي أكد لـ”العرب” أنه يعمل في مجال “الروبابيكيا” منذ حوالي 40 عاما، بدأها كبائع متجول في الشوارع يعمل لحساب تجار، يمر على المنازل لشراء كل ما هو قديم، وانتهى به الحال إلى أن أصبح من كبار تجار المهنة الذين يتعاملون مباشرة مع المصانع ويعمل لديه المئات من “السرّيحة”.

ويشتري “الفار” كل أنواع “الروبابيكيا” ويقسّم المخزن إلى أجزاء، ففي جانب منه يضع الكراسي الخشبية والجلدية، وفي مكان آخر يضع النوافذ الخشبية بعد دهنها وتركيب زجاج جديد ملون لها لإعادة بيعها، أما البلاستيك والنحاس والحديد، تباع مثل هذه البضاعة إلى مصانع الحديد والصلب لصهرها وإعادة إنتاجها.

ووصفت ياسمين إسماعيل، الباحثة الاقتصادية، هذا السوق في مصر بأنه “كنز” لا تستفيد منه الدولة، رغم أنه يمكن أن يدر عليها عائدا اقتصاديا هائلا، من خلال إعادة تدوير وإنتاج السلع القديمة بما يخفف الاستيراد، في ظل أزمة نقص الدولار التي تشهدها مصر حاليا.

والمشكلة الحقيقية أن سوق الاشياء القديمة بعيد عن رقابة الحكومة وخارج الاقتصاد الرسمي ودوائر الضرائب، بالرغم من كونه تجارة منتشرة ورائجة يتعدى حجم المبالغ المتداولة فيها المليارات. ويبقى سوقا يقي الشباب من البطالة خاصة أولئك الذين لا سند لهم.

تباع للفقراء
20