الروبوتات.. عبودية اصطناعية أم رفاه اصطناعي

الجزري اخترع أول روبوت في القرن الـ12 ميلاديًّا وتشابيك توقع ثورة الروبوتات قبل مئة عام.
الجمعة 2021/04/16
عندما يكتب الروبوت مسرحية

الروبوتات ليست اختراعا حديثا. أول روبوت صنع منذ تسعة قرون في وادي دجلة وليس في وادي السيليكون. وكلمة روبوت نفسها تعود إلى 100 عام مضت. أول من استخدمها الكاتب التشيكي كارل تشابيك في مسرحية له عرضت عام 1921. وتشير في اللغة التشيكية إلى العمل الشاق والعبودية.

هناك اتفاق على أن أول من استخدم كلمة روبوت هو الكاتب المسرحي التشيكي كارل تشابيك، حيث ظهرت هذه الكلمة عام 1921 في مسرحيته “روبوت روسوم الآلي”. ولكن هذا لا يعني أن أول ظهور للروبوت كان بعد استخدام هذه الكلمة، بل يعود تاريخ الروبوتات إلى زمن أبعد بكثير. وقد يكون القرن الثاني عشر ميلاديا هو الزمن الذي ظهرت فيه الروبوتات.

صناعة الحيل

إن كان ذكر سوريا اقترن بولادة الكمبيوتر الشخصي على يد مصعب عبدالفتاح الجندلي، وهو سوري الأصل من محافظة حمص ولد في سان فرانسيسكو وعرضه والداه للتبني، ليعرفه العالم فيما بعد باسم ستيف جوبز، فإن اسم سوريا اقترن أيضا باسم أول مخترع للإنسان الآلي؛ بديع الزمان أَبوالعز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري، الذي عاش في القرن الثاني عشر ميلاديا ويعتبر من أعظم المهندسين والمخترعين في التاريخ.

ولد الجزري في منطقة جزيرة ابن عمر التي تقع شمالي سوريا على أطراف نهر دجلة، وهي منطقة يسكنها الأكراد، وعرف عنه إجادة التحدث بثلاث لغات هي العربية والكردية والتركية. وكتب مؤلفاته باللغة العربية. عمل رئيسا للمهندسين في ديار بكر (آمد) حيث حظي برعاية أمراء بني أرتق، ودخل في خدمة ملوكهم لمدة خمس وعشرين سنة. صمم خلال تلك الفترة آلات كثيرة ذات أهمية كبيرة كثير منها لم يكن معروفا من قبل. من بينها آلات لرفع الماء وساعات مائية ذات نظام تنبيه ذاتي وصمامات تحويل وأنظمة تحكم ذاتي وكثير غيرها، شرحها في مؤلفه المزود برسومات توضيحية وعنوانه “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل”.

الجزري الذي عاش على أطراف دجلة في القرن الثاني عشر ميلاديًّا من أكثر المتحمسين لعصر الذكاء الاصطناعي

والجزري أول من اخترع إنسانا آليا مبرمجا للقيام بمهمة محددة، عندما طلب منه أمير أرتق أن يصنع له آلة تغنيه عن الخدم كلما رغب في الوضوء، فصنع له آلة على هيئة غلام في إحدى يديه إبريق ماء وفي الأخرى منشفة وعلى عمامته يقف طائر، فإذا حان وقت الصلاة يصفر الطائر ثم يتقدم الخادم الآلي نحو الأمير ويصب

عليه الماء من الإبريق، فإذا انتهى من وضوئه قدم له المنشفة، ثم يعود إلى مكانه بينما العصفور يغرد.

سوريا نسيت الجزري، مثلما نسيت مصعب عبدالفتاح الجندلي، ولكن التشيك لم ينسوا كاتبهم المسرحي تشابيك، واستغلوا مرور الذكرى المئوية على أول عرض لمسرحيته بعرض مسرحي، ولكن هذه المرة من كتابة روبوت.

خلال شهر مارس الماضي عرضت المسرحية على الإنترنت وحملت عنوان “الذكاء الاصطناعي: عندما يكتب الروبوت مسرحية”. تُروى أحداثها على لسان روبوت، وهو الشخصية الرئيسة في المسرحية بعد أن قرر الخروج إلى العالم للتعرف على المجتمع والعواطف البشرية، بل حتى التعرف على الموت.

المسرحية التي يستمر عرضها لمدة 60 دقيقة من تأليف المولد اللغوي جي بي تي – 2 (2 GPT) الذي ابتكرته شركة أوبن إيه آي (OpenAI) وأشرف على إنتاجها باحثون من جامعة تشارلز في التشيك.

مسرحية عالجت فكرةَ تطور الإنسان الآلي ليصبح سيدًا على الطبيعة محذرةً من تقدم علمي يؤدي إلى هلاك البشرية
مسرحية عالجت فكرةَ تطور الإنسان الآلي ليصبح سيدًا على الطبيعة محذرةً من تقدم علمي يؤدي إلى هلاك البشرية

حلم سيء

أشار تقرير نشرته دورية ساينس، التي تصدر عن الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، إلى أن الباحثين زودوا نموذج جي بي تي – 2 بافتتاحية مكونة من جملتين فقط من الحوار، لينتج بعدها ما يصل إلى ألف كلمة، ثم كرروا العملية لإنتاج المسرحية كاملة.

يجد الروبوت، بطل المسرحية، نفسه وحيداً بعد وفاة سيده فيكتور، وأن عليه أن يتعامل مع الجنس البشري وحده، فيتنقل عبر مشاهد غرائبية ليلتقي الكثير من “النساء اللاتي يرتمين تحت قدميه”، ويطرح أحياناً أسئلة عن الحياة والرفقة والفناء، “كما لو كان في حلم سيء”، بحسب وصف صحيفة الغارديان البريطانية.

ويرى الباحثون أن المسرحية التي عرضت باللغة التشيكية، مع ترجمة باللغة الإنجليزية، لا ترقى بالطبع إلى مستوى مسرحيات ويليام شكسبير؛ ففي بعض الأحيان تخرج الأحداث والحوارات عن تسلسلها المنطقي، وأحياناً “ينسى الذكاء الاصطناعي أن الشخصية الرئيسة هي روبوت وليست إنساناً”، كما أنه “قد يحول الذكر إلى أنثى في منتصف الحوار”، على حد قول رودولف روزا عالم اللغويات الحاسوبية في جامعة تشارلز.

ويرجع ذلك إلى أن النموذج لا يفهم، حقاً، معنى الجمل التي يكتبها، وإنما يجمع الكلمات التي تُستخدم معاً، واحدة تلو الأخرى. وكلما ازداد عدد الكلمات أثر ذلك سلباً على ترابط النصوص التي ينتجها؛ لذا قسم الباحثون العرض إلى ثمانية مشاهد، مدّة كل منها أقل من 5 دقائق، وذلك بدلاً من السماح للنموذج بكتابة المسرحية كُلَّها مرة واحدة. كما اقتصر الحوار على شخصيتين فقط في كل مشهد من مشاهد المسرحية.

الباحثون قاموا أيضا بتغيير النص في بعض المقاطع؛ لتعديل الأخطاء في جنس الشخصيات أو في حالات تكرار الكلام. بيد أن روزا الذي شارك في الإشراف على المشروع يوضح أن 90 في المئة من النص النهائي لم يمس، وأن نسبة التدخل البشري لم تزد عن 10 في المئة.

يتوقع تشاد ديشانت، خبير الذكاء الاصطناعي في جامعة كولومبيا، أن الأمر “سيستغرق حوالي 15 عاماً حتى تتمكن التكنولوجيا من تأليف نص معقد ومتماسك، مثل المسرحيات، من البداية إلى النهاية”. ومع ذلك فإنه يعتقد أن “التجربة جاءت رائعة وتظهر ما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله حالياً، واستطاعت أن تثير حماسة الناس”.

بعد عرض المسرحية، دون حضور جمهور، سمح الفريق المشرف على التجربة بعرضها على الإنترنت لبضعة أيام. وتعهد الفريق بعرضها مرة أخرى على مسرح شافاندا في العاصمة التشيكية براغ، عندما تسمح ظروف جائحة كوفيد – 19 بذلك.

عالج تشابيك في مسرحيته فكرةَ الوصول إلى الإنسان الآلي الخلاق الذي بإمكانه أن يصبح سيداً على الطبيعة، محذرا من التقدم العلمي الذي قد يؤدي إلى هلاك البشرية.

مجرد بيانات

Thumbnail

اليوم يدخل الإنسان الآلي جميع المجالات، من صناعة وصحة وتجارة، ويخترق كما رأينا مجال الإبداع، ويسرق من البشر فرص العمل ويحيلهم إلى بطالة إجبارية، وهذا كما يؤكد خبراء الاجتماع سيولد الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية.

وتطالب الجمعيات في مسرحية تشابيك بالرفق بالإنسان الآلي، ليرد أصحاب المصنع الذي ينتج الناسَ الآليين “إنهم لا يملكون أرواحاً، فلا شيء يفرحهم، ولا شيء يحزنهم، إنهم لا يطالبون بإنقاص ساعات العمل، ولا بحق الانتخاب، ولا بزيادة الأجور”.

رغم ذلك تنتهي المسرحية بثورة للإنسان الآلي على سيده الذي أدخل تعديلات عليه؛ فجعله يمتلك مشاعر وانفعالات، ليسيطر في النهاية على كوكب الأرض بعد أن يبيد الإنسان.

هل سيحقق الروبوت، الذي أصبح كاتباً مسرحياً، نبوءة المسرحية فعلاً؟ يقول روزا ربما قد نضطر إلى الانتظار 100 عام أخرى لمعرفة الجواب.

مع بداية القرن الحادي والعشرين أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من حياتنا اليومية، وأخذ الإنسان يطرح أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبله؛ هل يضحي بالتكنولوجيا ليحافظ على إنسانيته، أم يقبل مصيره بشجاعة وينساق في تطوير روبوتات تعمل دون إشراف منه؟

التساؤل نفسه طرح في بعض الأوساط على نطاق فلسفي ضيق منذ أن عرضت مسرحية تشابيك عام 1921. تساءل البعض حينها إن كان البشر سيساهمون بخلق حياة اصطناعية ستعمل على محوهم، بعد أن أصبح احتمال أن تقوم آلة يديرها الذكاء الاصطناعي بتجريد الجميع من وظائفهم أمرا واردا.

صحيفة الغارديان البريطانية نظرت للأمر من زاوية مختلفة قائلة “ما نحن بصدد الحديث عنه هنا ليس استحواذ الآلات على الوظائف، بل لجوء أرباب العمل إلى الاستغناء العمد عن موظفيهم واستبدالهم بآلات أرخص ثمنا. يتوجّب علينا القلق حيال مثل هذه الاحتمالات التي تعتمد على رؤيتنا للثقافة أساسا، فالهالة الكبيرة التي تحيط بكاتب نصوص الـ’جي بي تي – 2′ هي واحدة من الأعراض التي تؤكد أننا، وإلى درجة ما، قبلنا بالحكم الفلسفي لوادي السيليكون، الذي يرى أن كل شيء هو مجرد بيانات”.

وبشكل عام يتباطأ اليوم خلق فرص العمل فيما يتسارع تدمير الوظائف، حيث تستخدم الشركات حول العالم التكنولوجيا عوضاً عن البشر في إدخال البيانات ومهام الحسابات والإدارة.

وكشفت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي عن توقعات بقضاء التقنيات الرقمية الجدية على نحو 85 مليون وظيفة في الشركات متوسطة وكبيرة الحجم خلال السنوات الخمس القادمة، حيث سيحل الروبوت مكان الإنسان.

تغييرات لا يمكن وقفها

روبوت الوضوء صنعه الجزري منذ تسعة قرون
روبوت الوضوء صنعه الجزري منذ تسعة قرون

“سيخلق الذكاء الاصطناعي الكثير من الثروة”، هذا ما يقوله سام ألتمان، المؤسس المشارك ورئيس منظمة OpenAI، مضيفا “يذكرني عملي كل يوم بحجم التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي سيأتي في وقت أقرب مما يعتقد معظم الناس.

البرامج التي يمكنها التفكير والتعلم ستنجز المزيد والمزيد من العمل الذي يقوم به البشر الآن”.

ثم حذّر بقوله “تحتاج الحكومات إلى الاستجابة السريعة. سينتهي الأمر بمعظم الناس إلى وضع أسوأ مما هم عليه اليوم، إن لم تتكيف السياسة العامة للحكومات مع المتغيرات”.

ومع ذلك يقول ألتمان “إذا قامت الحكومة بجمع وإعادة توزيع الثروة التي سيولدها الذكاء الاصطناعي، فإن مكاسب الإنتاجية الهائلة لهذا الذكاء يمكن أن تجعل مجتمع المستقبل أقل انقسامًا وتمكن الجميع من المشاركة في مكاسبه”.

وألمح إيلون ماسك إلى مستقبل مماثل، إذ قال “سيكون لدى الناس عمل أقل، وهناك فرصة جيدة جدًا لأن ينتهي بنا المطاف بدخل أساسي شامل، أو شيء من هذا القبيل، بسبب الأتمتة”. وماسك هو أيضًا أحد مؤسسي OpenAI  لكنه ترك مجلس الإدارة في عام 2018 ليؤسس شركة تسلا المتخصصة بتطوير قدرات القيادة الذاتية.

إذا كان تشابيك قد وفق في مسرحيته بتصور عالم يقوم فيه الإنسان الآلي بكل الأعمال المجهدة والشاقة عوضا عن البشر، واختار له اسم روبوت (عبد)، فهو لم يوفق في النصف الثاني من النبوءة التي تقول بسيادة الروبوت وهلاك البشر.

“التغييرات القادمة لا يمكن وقفها”، كما يقول ألتمان. لكن “إذا احتضناها وخططنا لها فيمكننا استخدامها لإنشاء مجتمع أكثر عدلاً وسعادة وازدهارًا. يمكن أن يكون المستقبل رائعًا بشكل لا يمكن تصوره”.

ماذا لو أن الجزري عاش بيننا اليوم؟ حتما سيكون من أكثر المتحمسين لعصر الذكاء الاصطناعي.

12