الروبوتات والبشر زملاء عمل في أمازون

نقاد ومؤيدو حقوق العمال يشعرون بالقلق من أن الروبوتات ستحل يوما ما محل البشر، وأن مخازن شركة أمازون التي تكتظ بالآلات تعد بيئة عمل غير آمنة.
السبت 2019/07/06
روبوت صغير يحمله ما لا تحمله الرجال

الروبوت أصبح يشاركنا الحياة، يشاركنا العمل، بدأ في البداية يقوم بمهام تساعد الإنسان ثم توسعت مهماته حتى زاد قلق البشر من أن يقصيهم الروبوت من سوق العمل، فهو لا يتعب ولا يكل ولا يمرض هو حقيقة لا يحتاج إلى استراحة عمل أو عطلة مدفوعة الأجر، هذا ما دفع مؤسسة أمازون عملاقة التجارة الإلكترونية إلى إقحام هذه القوة الجديدة وهي ربما تصل يوما إلى تسيير عملها بالروبوتات فقط وتحيل البشر على التقاعد.

سياتل (الولايات المتحدة الأميركية)- يبدأ الموظفون بشركة أمازون الأميركية العملاقة للتجارة الإلكترونية نوبة العمل باجتياز بوابات الدخول الدوارة، ثم المرور بجوار لوحة مدون عليها الأغراض التي لا يسمح لهم بجلبها معهم عندما يأتون إلى العمل جنبا إلى جنب مع أجهزة الروبوت.

فالهواتف المحمولة والأحزمة والمفاتيح والنقود المعدنية، على سبيل المثال، لا بد من وضعها أولا داخل واحد من مئات الخزانات المصفوفة على جانب القاعة المخصصة للراحة في مخازن الشركة في مدينة ويست ديبفورد بولاية فيلادلفيا الأميركية.

وداخل المخازن، تتحرك روبوتات صغيرة لا يزيد طولها عن عشرين سنتيمترا، وإن كانت قادرة على حمل أوزان تصل إلى 560 كيلوغراما، ولا تتشابه مطلقا مع الروبوتات المصممة على أشكال بشرية والتي تظهر في أفلام الخيال العلمي. وتساعد هذه الماكينات ذاتية الحركة موظفي أمازون على أداء المهام الموكلة إليهم.

وتنطلق الروبوتات على عجلات بسرعة لا تتجاوز مترا ونصف المتر في الثانية في قفص ضخم بالطابقين الثاني والثالث من المخزن الذي تقارب مساحته حوالي ثلاثين ملعب كرة قدم، وإذا حدث وأسقط أي روبوت بضاعة، فيجب على الإنسان دخول تلك المنطقة لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

وفي حين توظف شركة أمازون عشرات الآلاف من الأشخاص للعمل في مخازنها، تتبنى الشركة التي تتخذ من مدينة سياتل الأميركية مقرا ولها 109 مراكز للشحن في أنحاء العالم، فكرة ميكنة العمل، وتستخدم الروبوتات لأداء الأعمال التي كان البشر يقومون بها في ما سبق. وقالت الشركة إنها ستستغرق 10 سنوات على الأقل قبل أن تتمكن من إدارة مستودعاتها باستخدام الروبوتات، لكن التشغيل الآلي الجزئي جار بالفعل.

روبوتات للشحن

تكنولوجيا بلا كسل
تكنولوجيا بلا كسل

صرحت الشركة في وقت سابق أنها تدرس تركيب اثنين من الروبوتات في العشرات من المخازن، مما قد يساعدها على الاستغناء عن 24 وظيفة على الأقل في كل موقع، وإذا كانت أمازون ستطرح هذه الآلات عبر 55 مركزا أميركيا، فقد يؤدي ذلك إلى تقليل أكثر من 1300 وظيفة. وتدرس الشركة أيضا استخدام روبوتات تحمل اسم “كارتون وراب”، والتي يمكنها إعداد صناديق للطلبات وإضافة الأختام والعلامات.

ويمكن لهذه الروبوتات إعداد ما بين 600 إلى 700 صندوق في الساعة، وهي أسرع من أربع إلى خمس مرات من الإنسان. وأعلنت الشركة في بداية العام الجاري عن طرحها لروبوت التوصيل الخاص بها، ويمكن للروبوتات ذات العجلات الست أن تتبع الطريق بشكل مستقل وتتجنّب المارّة.

وقد تكون خدمة تسليم الطرود بطائرة من دون طيار في أمازون غير متوفرة، لكن الشركة لم تتخلَّ عن حلمها بتقديم الروبوتات التي تُسلّم الطرود. وأطلقت الشركة خدمة “أمازون سكوت”، وهي خدمة توصيل عبر توظيف 6 روبوتات توصيل بست عجلات، عبر مقاطعة سنوهوميش، بواشنطن، إلى الشمال مباشرة من مقرها الرئيسي في سياتل.

وقد كتب رئيس المشروع الكشفي شون سكوت في مدوّنته “تم إنشاء هذه الأجهزة من قبل أمازون، وهي بحجم مبرّد صغير ويتدحرج على طول الأرصفة بخُطى سريعة. سوف تتبع الأجهزة بشكل مستقلّ مسار التسليم الخاص بها، ولكن ستتم مرافقتها في البداية من قبل موظف في أمازون”.

ويشعر النقاد ومؤيدو حقوق العمال بالقلق من أن الروبوتات ستحل يوما ما محل البشر، وأن مخازن أمازون التي تكتظ بالآلات تعد بيئة عمل غير آمنة. وقال تاي برادي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة “أمازون روبوتيكس” في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) هذا الشهر، “المسألة لا تتعلق مطلقا بالبشر في مواجهة الآلات.. بل يعمل البشر والآلات جنبا إلى جنب لتحقيق مهمة ما”.

تنطلق الروبوتات على عجلات بسرعة لا تتجاوز مترا ونصف المتر في الثانية في قفص ضخم بالطابقين الثاني والثالث من المخزن الذي تقارب مساحته حوالي ثلاثين ملعب كرة قدم

وتوسعت أمازون بشكل سريع، من 20700 موظف في عام 2008 إلى 647.500 موظف العام الماضي، يعملون في دوام كامل أو نصف دوام. وبحسب ما أعلنته الشركة، يوجد في مخازن مدينة ويست ديبفورد  أكثر من 1500 موظف يعملون بدوام كامل ويستخدمون أكثر من ثلاثة آلاف روبوت.

وارتفع صافي مبيعات أمازون بنسبة 31 بالمئة العام الماضي إلى 232.9 مليار دولار، كما تضاعف صافي أرباح الشركة بأكثر من ثلاث مرات إلى 10.1 مليار دولار. وذكر المجلس الوطني الأميركي للسلامة المهنية والصحة أنه “رغم الموارد الضخمة، لا توجد دلائل كافية على أن الشركة بذلت مجهودات كبيرة لمواجهة شكاوى العاملين لديها بشأن التوتر والإجهاد في العمل وغيرهما من الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى الأمراض أو الإصابات أو حتى الوفاة”.

وحسب تقرير المجلس، توفي ستة عمال في مقرات شركة أمازون أو خلال عملياتها بالولايات المتحدة منذ نوفمبر 2018، كما وصل عدد الوفيات منذ عام 2013 إلى 13 موظفا. وتؤكد أمازون أن منشآتها آمنة وأن زيادة الميكنة لا تعني أنها ستقلل عدد الأشخاص الذين تقوم بتوظيفهم.

وتشير التقديرات التي جاءت في تقرير لمؤسسة ماكينزي العالمية، إلى أن الاعتماد على الآلات يمكن أن يطيح بنحو 800 مليون موظف على مستوى العالم بحلول عام 2030، رغم أن التقرير أقر أيضا بأن الميكنة يمكن أن تساعد في خلق فرص عمل.

وتصل السلع من شركة أمازون أو غيرها من شركات التوريدات إلى مخازن ويست ديبفورد على متن سير تحميل وتنتقل إلى الطابق الثاني حيث تعمل موظفات مثل ليزا بايلي، وهي موظفة تعبئة تبلغ من العمر 51 عاما. وتقف بايلي خارج قفص الروبوتات وتفحص السلع التي تتنوع من الألعاب النارية من أمازون إلى أكياس الحلوى والمقرمشات.

روبوتات صغيرة لا يزيد طولها عن عشرين سنتيمترا تنطلق  على عجلات بسرعة لا تتجاوز مترا ونصف المتر في الثانية وهي تحمل أوزانا تفوق نصف طن
روبوتات صغيرة لا يزيد طولها عن عشرين سنتيمترا تنطلق  على عجلات بسرعة لا تتجاوز مترا ونصف المتر في الثانية وهي تحمل أوزانا تفوق نصف طن

ويحمل الروبوت هذه الأغراض ليضعها على أحد الأرفف المكدسة بالصناديق المصنوعة من الورق المقوى، في الوقت الذي تضع فيه بايلي هذه الأغراض داخل الصناديق. وتتحرك روبوتات أخرى من خلفها وتسير بالقرب من بعضها البعض، ولكنها لا تتصادم أبدا. وما أن تنتهي بايلي من مهمتها، حتى يدفع الروبوت الرف إلى مكانه الأصلي. وتقول بايلي، وهي تجلس داخل المخزن المكيف، “تبدو الروبوتات مثل سيارات السباق الصغيرة”.

وفي الطابق الثاني بجوار بايلي، يعمل ديفيد جريكو (45 عاما) من منطقة لافييت هيل، وهو متخصص في الانتقاء حيث يطالع التعليمات التي تظهر أمامه على شاشة الكمبيوتر، ثم ينتقي بعض الأغراض من فوق الرف المتحرك وينحيها جانبا. ويعكف جريكو على فحص تلك الأغراض ثم يضعها في عبوات بلاستيكية صفراء على سير التحميل. وتنتقل هذه العبوات الصفراء إلى الطابق الأرضي حتى تصل إلى تاليرا تومسون (22 عاما)، وهي موظفة تعبئة من منطقة سيكلرفيل، حيث تضع الأغراض داخل العبوات الكرتونية التي تصل في نهاية المطاف إلى عتبة باب المستهلك مباشرة.

وبعد إغلاق العبوات الكرتونية بالشريط اللاصق، تضعها تومسون على سير تحميل آخر ينقلها إلى ماكينة تلصق عليها بطاقة الشحن قبل نقلها إلى منطقة التحميل حيث تصطف شاحنات لتوصيل الطلبيات إلى جميع أنحاء الشمال الشرقي الأميركي.

الروبوت يتفوق

في مدن مثل هيوستن وسولت ليك سيتي وتامبا بولاية فلوريدا وساكرامنتو في كاليفورنيا، يؤدي الموظفون هذه الأعمال جنبا إلى جنب مع الروبوتات. ويقول روبرتو ميلر مدير عام مخازن أمازون في ويست ديبفورد، إن الروبوتات تقوم بالأعمال الرتيبة، حتى يستطيع الموظفون الانخراط في أعمال تتطلب المزيد من التركيز.

وفي حين أن الموظف البشري كان يحتاج إلى نقل الصناديق الثقيلة بنفسه في السابق، يمكن لذراع روبوتية الآن أداء هذه المهمة، فيما يعمل الموظف كمسؤول لتشغيل الماكينات. وتقول أمازون إن مخزن ويست ديبفورد هو رابع مخزن يوظف الروبوتات في ولاية نيو جيرسي الأميركية، وأطلقت الشركة عملياتها في الولاية في عام 2012، وهي توظف الآن أكثر من 17500 شخص بدوام كامل في أنحاء الولاية.

ارتفع صافي مبيعات أمازون بنسبة 31 بالمئة العام الماضي إلى 232.9 مليار دولار، كما تضاعف صافي أرباح الشركة بأكثر من ثلاث مرات إلى 10.1 مليار دولار

وتمارس أمازون نشاطها في ولاية بنسلفانيا منذ عام 2008، وتقول إنها توظف أكثر من 10 آلاف موظف بدوام كامل في مختلف أنحاء هذه الولاية أيضا. وتؤكد الشركة أنها مستمرة في التوظيف وأنها ستفتتح أكثر من 150 فرعا جديدا في نيوجيرسي.

ويصل الحد الأدنى للأجور في أمازون إلى 15 دولارا في الساعة للموظفين الأميركيين، كما يحصل الموظفون بدوام كامل على رعاية صحية تشمل النظر والأسنان، فضلا عن حق امتلاك أسهم في الشركة ورعاية اجتماعية بالإضافة إلى برنامج يسمح للموظفين بالحصول على عطلات مدفوعة الأجر مع أزواجهم أو شركاء حياتهم.

الدزينة القذرة

وتستطيع هذه النوعية من الشركات التي تعمل في مجال إدارة المخازن أن تدعم الاقتصاد المحلي عن طريق توفير فرص عمل بأجور جيدة ومزايا أخرى للعاملين لديها، ولكن مارسي جولشتاين، المدير التنفيذي المساعد في المجلس الوطني للسلامة المهنية والصحة، تؤكد أن أمازون ليست واحدة من هذه الشركات.

وتشير جولدشتاين إلى تقرير للمجلس، الذي يروج لظروف العمل الآمنة والصحية، أنه يتضمن أسماء الشركات التي تضع موظفيها في المخاطر.

روبوتات قادرة على حمل أوزان تصل إلى 560 كيلوغراما
روبوتات قادرة على حمل أوزان تصل إلى 560 كيلوغراما

وللعام الثاني على التوالي، تصدرت أمازون قائمة هذه الشركات في التقرير الذي يحمل اسم “الدزينة القذرة”، حيث أودت الماكينات بحياة موظفين اثنين في مخازن أمازون في بنسلفانيا بفارق ثلاثة أعوام عن بعضهما البعض، كما توفي موظف ثالث بأحد مخازن الشركة في مدينة أفينيل بنيو جيرسي.

وفي ديسمبر الماضي، اصطدمت ماكينة تعمل آليا داخل مخزن شركة أمازون في روبنسفيل بولاية نيو جيرسي بعبوة تحتوي على سائل مضغوط مما أدى إلى انبعاث أبخرة ذات رائحة نفاذة في الهواء، على حد وصف أمازون للواقعة التي أدت إلى نقل نحو 25 موظفا إلى المستشفى.

ويقول ستيوارد أبلباوم رئيس نقابة العاملين في مجال تجارة التجزئة والجملة والأسواق التجارية في الولايات المتحدة، “تهدد الروبوتات الآلية بشركة أمازون حياة البشر بشكل يومي، وهي نموذج صارخ على أن الشركة تولي اهتماما أكبر بالأرباح على حساب صحة عامليها وسلامتهم”.

وقالت أمازون “ابتكرت شركة أمازون حزام ‘روبو تيك فيست’، للحفاظ على العلاقات بين الإنسان والروبوتات داخل مستودعاتها، التي تزخر بأكثر من 100 ألف روبوت، وضمان تكيف الآلات مع الموظفين”.

وتؤكد التزامها بتوفير بيئة عمل آمنة، كما تقبل مقترحات من العاملين في مخازنها وتتعهد بأنها ستجري تغييرات. وتعمل شركات مثل أمازون على بناء مستقبل أفضل بإنشاء مستودعات تتكيف مع احتياجات الروبوتات وليس البشر، ومن السهل السماح للروبوتات بأن تكون لها مساحة عمل خاصة.

17