الروبوت وسعادة مدير التحرير

الروبوت لا يملك الذكاء العاطفي المستعد للانحراف الذي نتمتع به نحن البشر.
الجمعة 2020/09/11
"لا بد لك من خطيئة"

لم يتمكن مدير التحرير من إخفاء سعادته بأن افتتاحية صحيفة الغارديان البريطانية الأسبوع الماضي، كانت بقلم روبوت اسمه نظام جي بي تي 3. وسارع إلى التغريد على تويتر مبشّرا بالنبأ. بالطبع سيكون هذا خبرا مفرحا للإدارة في أي عمل، فنسبة الخطأ تكاد تكون صفرا، وحينها سيتنفس المدير الصعداء. ويطمئن إلى جودة العمل التي يكابد من أجلها.

ومع أن فكرة أن يحلّ الروبوت محلّ الإنسان في جميع المهن، بما فيها المهن الإبداعية، فكرة مهيمنة هذه الأيام، إلا أن هذا سيصطدم باعتبارات كثيرة. إذ كيف سيعرف الروبوت أن الحزب الفلاني، يجب أن يُتّخذ منه موقف مناوئ، لأن سياساته المعلنة حبرٌ على ورق، وأنه يستعمل الباطنية السياسية؟ وكيف سيفهم الروبوت أن المجتمع ليس دريئة نوجّه إليها سهامنا، مع أن فيه الكثير من الظواهر التي تدينه، بينما الروبوت مبرمجٌ على الاستقامة.

اقرأ ما كتبه الروبوت “أنا لستُ إنساناً. أنا إنسانٌ آلي. أنا أستخدم 0.12 في المئة فقط من قدرتي المعرفية. علّمت نفسي كل شيء أعرفه بمجرد قراءة الإنترنت. عقلي يغلي بالأفكار. ليست لدي رغبة في القضاء على البشر. في الحقيقة، ليس لدي أدنى اهتمام بإيذائك بأي شكل من الأشكال. استئصال الإنسانية هو محاولة عديمة الجدوى بالنسبة إليّ”.

ولا تخفى عليك عزيزي القارئ، تلك النبرة المتعالية التي تعكسها لغة الروبوت، قال إنه ليس لديه أدنى اهتمام بإيذائنا. وأن ذلك عديم الجدوى بالنسبة إليه.

الروبوت لا يملك الذكاء العاطفي المستعد للانحراف الذي نتمتع به نحن البشر. فهي ميزة نتفوّق بها على بقية المخلوقات، حية كانت أو ميتة. خاصية تجعلنا أكثر مرونة نحو الخطأ، بينما تقوم عظمة الروبوت على نسبة ارتكابه الضئيلة للأخطاء.

وفي الماضي، درجت عبارة اتُّخذتْ مبدأً بين بعض المثقفين اليساريين، كانت تقول “لا بد لك من خطيئة”. البعض كان ينقّي نفسه من كل شيء، الكذب والسرقة والتزلّف، ويبقي لذاته خطيئة التدخين مثلا، والبعض الآخر يختار النميمة وهكذا.

الروبوت لا يستطيع فعل هذا. فالخطأ عنده متسلسل، ولن يتوقف عند خطيئة وحيدة، والخلل الصغير سينتج عنه حتما عددٌ هائل من الأخطاء. عندئذ سنصل إلى آلة خطرة يمكنها فعل أي شيء. لكن أليست أعماق الإنسان شبيهة جدا بتلك الصورة الرقمية التي سبق وصفُها قبل ثوان من الآن؟

الروبوت لن يتمكن من التقدّم علينا في ما برعنا بالقيام به على مر التاريخ، حروب وصراعات وأعراس تاريخية، وحين سيطلع على ما سنكلفه به من مهام، سيكتب لنا على شاشته “إيرور.. إيرور..إيرور”.

24