الروبوت يرسم لوحات تغيب عنها أحاسيس الفنان

الفلاسفة والباحثين يستبعدون اكتساب الروبوتات للمشاعر الإنسانية، أي أنها لن تستطيع إبداع عمل فني سواء في الرسم أو في الموسيقى أو في أي فن من الفنون الأخرى رغم نجاحها في صناعة بعض اللوحات التي بيع بعضها بثمن خيالي.
الاثنين 2019/10/21
صورة بواسطة خوارزميتين واحدة ترسم والأخرى تصنف

يلتصق الفن بالمشاعر الإنسانية ويعكسها، وأصبح الذكاء الاصطناعي جزءا ضروريا في حياة الإنسان حتى أصبح البشر لا يستطيعون القيام ببعض الأعمال المعقدة في الصناعة والطب وغيرهما. لكنّ الفلاسفة والباحثين يستبعدون اكتساب الروبوتات للمشاعر الإنسانية، أي أنها لن تستطيع إبداع عمل فني سواء في الرسم أو في الموسيقى أو في أي فن من الفنون الأخرى رغم نجاحها في صناعة بعض اللوحات التي بيع بعضها بثمن خيالي.

 برلين  - ربما يكون اسمها “عايدة” ولكنها لا تمت بصلة للأوبرا الشهيرة التي قدمها الموسيقار العالمي فيردي وتحمل نفس الاسم، فهي بالقطع لا تغني في مملكة مصر القديمة، بل إن هذا الروبوت الذي يأخذ شكلا بشريا يستطيع أن يرسم بقلم رصاص مثبت في يده الإلكترونية لوحات فنية يجسد فيها كل ما تقع عليه عيناه، أو بالأحرى… تقع عليه الكاميرات الخاصة به التي تعتبر بمثابة عينيه.

ويعود الفضل في اختراع عايدة إلى شركة بريطانية تحمل اسم “انغينيرد أرتس” وتقع في مدينة أوكسفورد، وأطلق إيدن ميلر الذي أشرف على المراحل النهائية لتصنيع “أيدا” (عايدة) على الروبوت اسم خبيرة الكمبيوتر المعاصرة أدا لوفليس، وهو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة متنوعة من الروبوتات التي يمكنها إبداع أعمال فنية اعتمادا على مجموعة من المعادلات الخوارزمية الحوسبية.

رسم الروبوت للوحات يلفت الانتباه، لكن هل تندرج هذه الأعمال تحت باب التزييف أم لا؟ ثم من هو المالك الحقيقي لهذه اللوحات؟

وقال ميلر، إن أيدا هي أول روبوت فنان واقعي، وأشار إلى أنه يتمنى أن يكون أداء أيدا مماثلا لأداء نظرائها من البشر، مضيفا “بصفتها فنانة تقدم عروضا، ستتمكن أيدا من التواصل مع الجمهور وتستقبل الرسائل، وهي الأسئلة التي تطرحها التكنولوجيا اليوم”.

وتتعرف كاميرات في عيني الروبوت أيدا على الملامح البشرية، وستتمكن من التواصل البصري، وتتبع الأشخاص ببصرها في الغرفة وتقليد من يقف أمامها بفتح أو غلق فمها.

وإذا اقترب شخص منها بدرجة كبيرة فإنها سترجع إلى الوراء وهي تطرف بعينيها تعبيراً عن الشعور بالصدمة.

وقال ماركوس هولد مهندس التصميم والإنتاج في الشركة، “هناك ذكاء اصطناعي يسمح للروبوت بتتبع الوجوه والتعرف على ملامح وجهك وتقليد تعبيراتك”.

وستتمكن عايدة من التحدث مع البشر والإجابة عن الأسئلة، وصممت الشركة الروبوت ليبدو كامرأة ذات شعر أسود داكن وطويل، وعينين واسعتين وهيكل مصنوع من السيليكون وأسنان ثلاثية الأبعاد.

وسيكشف النقاب عن أيدا للمرة الأولى خلال معرض “أنسيكيورد فيوتشرز” في جامعة أوكسفورد في شهر مايو المقبل، وستعرض رسوماتها في لندن خلال الشهر المقبل.

ولكن سؤالين يفرضان نفسيهما هما هل تعتبر الصور التي يتم إنتاجها بواسطة مزيج من المعادلات الخوارزمية والأذرع الميكانيكية الدقيقة نوعا حقيقيا من الفنون؟ ومن أين يأتي الإبداع في هذه العملية؟

جدل المشاعر

الربوت لا يملك احساسا لذلك لا يبدع
الربوت لا يملك احساسا لذلك لا يبدع

يثار هذان التساؤلان بشكل متزايد في عالم الفنون، حيث أن نجاح الذكاء الاصطناعي في مجال الفن يفتح آفاقا جديدة سواء بالنسبة إلى العاملين في الحقل الفني أو بالنسبة إلى متذوقي الفنون بشكل عام، كما أن هذا الاتجاه يثير جلبة في أسواق الأعمال الفنية.وفي أكتوبر عام 2018، بيعت لوحة “إدموند دي بيلامي” في دار مزادات كريستي مقابل 432 ألف دولار، وهو مبلغ يفوق ما يعادل تقريبا 45 ضعفا قيمتها التقديرية، أما عائدات بيع اللوحة في دار مزادات كريستي، فقد آلت في نهاية المطاف إلى مبادرة مجموعة أوبفيوس في باريس.

وتم ابتكار هذه اللوحة التي تجسد صورة باهتة إلى حد ما لرجل بواسطة مبادرة “أوبفيوس” الفرنسية للأعمال الفنية التي قامت بتغذية جهاز كمبيوتر بـ15 ألف لوحة فنية يرجع تاريخها إلى عدة قرون مضت.

ويعمل كمبيوتر أوبفيوس بواسطة معادلتين خوارزميتين حيث تقوم المعادلة الأولى التي يطلق عليها “المولد” بتصميم وإنتاج الرسومات اعتمادا على لوحات مخزنة في ذاكرة إلكترونية، فيما تقوم المعادلة الثانية “المميز” بتقييم الرسومات ورفضها إذا ما رأت أن اللوحة النهائية تبدو كما لو كانت من صنع آلة، وهو ما يساعد المعادلة الأولى على تحسين أدائها.

وتظهر في اللوحة صورة ضبابية لرجل يرتدي ما يشبه رداء الواعظين، كما تركت أجزاء عدة من اللوحة خالية وكأنها عمل فني لم يتم.

وعلى الرغم من أن العديد من الفنانين العالميين قد يعتمدون هذا النمط من الفراغات والمساحات التي قد تحمل عدة معانٍ وتفسيرات تختلف بين شخص وآخر، فإننا في هذه اللوحة لسنا أمام خيارات العقل الواعي أو اللاواعي للإنسان، وإنما أمام اختيارات خوارزمية صنعها إدموند دي بيلامي من مجموعة ”أوفياس“ الفنية الفرنسية، وقام برسم اللوحة جهاز كمبيوتر.

هناك إحساس ما خلف اللوحة، سواء كان غضبا أو اشتياقا أو رغبة، لكن تعبير الذكاء الاصطناعي يتحدث عن نفسه فهو اصطناعي

يذكر أن مجموعة أوفياس الفنية تتكون من 25 فنانا فرنسيا، بدأوا نشاطهم في أبريل عام 2017، من شقة في أحد أحياء باريس، حيث عملوا على تغذية الخوارزمية منذ ذاك الوقت بقاعدة بيانات ضخمة من الأعمال الفنية، ونتج عن عملهم حتى اليوم 11 عملا فنيا بريشة الذكاء الاصطناعي.

المبلغ أثار دهشة دار كريستي نفسها، وهو ما يشير إلى أن هناك من يأخذ هذا النوع من الفن على محمل الجد. ورغم أن آخرين يعترفون بأن هذه الخوارزميات مدهشة، لكنهم ينفون الصبغة الفنية على لوحات الروبوتات باعتبار أنها خالية من المشاعر، فهناك أشياء نرغب نحن البشر في أن نضيفها، إنها قوة الإحساس والقصد في الدماغ البشري، وهذا ما يصعب على الروبوتات.

وفي مدونة حول عملية البيع، قالت دار كريستي إن الذكاء الاصطناعي قد يمثل مستقبل الفن، ولكن بيع اللوحة يثير التساؤلات حول تعريف الفن، وما يمكن اعتباره فنا حقيقيا أو أصليا، خصوصا عندما تظهر الخوارزميات في الصورة.

ويعتقد مدير الطباعة في دار كريستي، أنه توجد سوق كبيرة للأعمال الفنية التي يشكلها الذكاء الاصطناعي وهو ما يبرهن عليه المبلغ الذي دُفع ثمنا للّوحة، يقول مدير الطباعة “صحيح أنها لم ترسم من قبل فنان يرتدي باروكة، لكنها مطابقة تماما للأعمال الفنية التي نبيعها منذ 250 سنة”.

وقال مارك ريدل، الأستاذ في معهد جورجيا للتقنية في ولاية أتلانتا الأميركية، إنه أعجب باستخدام العلماء لشبكات التوليد الثنائية في أعمالٍ جديدة، فهذه أول ورقة علمية يراها تبحث هذه الفكرة.

في المقابل، يقول الرسام روبيرت بريستجياكومو “هناك على الدوام إحساس ما خلف اللوحة، سواء كان غضبا أو اشتياقا أو رغبة، لكن تعبير الذكاء الاصطناعي يتحدث عن نفسه، فهو اصطناعي”، ويبقى السؤال هل الذكاء الاصطناعي يهدد الفنانين ويجعل مستقبل الإبداع في أيدي الآلات؟

الروبوت لا يبدع

رامبرانت وحده يستطيع أن يخلق رامبرانت جديدا
رامبرانت وحده يستطيع أن يخلق رامبرانت جديدا

في هولندا، تم ابتكار لوحة “رامبرانت المقبل” في جامعة “ديلفت”، وتم جمع البيانات عن أعمال رامبرانت من قبل أجهزة الكمبيوتر، التي اكتشفت الأنماط التي كان يرسم بها بعض الصفات المحددة، مثل ملامح الوجه، على سبيل المثال. ثم تم إنشاء خوارزميات تعلم الآلة التي يمكنها إخراج صورة جديدة بأسلوب رامبرانت المعهود. وأعطى الفريق التعليمات للكمبيوتر بالعمل ضمن معايير معينة، من أجل الحد من عدد النتائج المحتملة. وقد تم تكليف برنامج بإنتاج صورة لرجل قوقازي يتراوح عمره بين الثلاثين والأربعين عاماً، مع شعر للوجه، مرتدياً ملابس سوداء، ذات طوق أبيض وقبعة، ووجهه متجه ناحية اليمين. تمت طباعة التصميم النهائي بطابعة ثلاثية الأبعاد لإعطائه نفس ملمس اللوحة الزيتية.

وقال إيمانويل فلوريس، مدير التكنولوجيا في المشروع، “كان هدفنا صنع جهاز يعمل مثل رامبرانت. سنفهم بشكل أفضل ما يجعل الأعمال الفنية قيمة”.

ورغم هذا التشابه الذي صنعه الكومبيوتر والذي يبدو في الواقع كأنه أحد أعمال رامبرانت، فإن القائمين على المشروع قالوا إنهم لا يحاولون صنع رامبرانت جديدا، بل “نحن نبتكر شيئاً من أعماله نفسها. رامبرانت وحده يستطيع أن يخلق رامبرانت جديدا”.وينوه فلوريس قائلا، “أنا لا أعتقد أننا يمكننا أن نكون بديلا لرامبرانت؛ رامبرانت فريدٌ من نوعه”.

وهارمنزون فان ريغن رامبرانت رسام هولندي (1606 – 1669) يعد أحد أبرز رموز مرحلة الباروك الذي أثّر في أجيال لاحقة من الفنانين مثل غويا وبيكاسو ودولاكروا في تصويره للضوء أو في الاهتمام بالتفاصيل المتناقضة، وظلّت أعماله موضع دراسة كونها تجاوزت عصره رغم هجوم النقاد عليه آنذاك.

ويدرس الباحث كريستيان باشيل من “معهد همبولت للإنترنت والمجتمع” في برلين “تطور المجتمع الرقمي”، وهو لم يبد إعجابه بلوحتي “بيلامي” و”رامبرانت المقبل”.

يقول باشيل، إن “الطريقة التي استخدمت في ابتكار هذه الأعمال مثيرة للاهتمام، وهي منطق ليبرالي تسويقي جديد تماما، ولكن المسألة اللافتة للانتباه هي ما إذا كانت هذه الأعمال تندرج تحت باب التزييف أم لا؟ ثم من هو المالك الحقيقي لهذه اللوحات؟”.

وانتقد باشيل غياب الفكرة الإبداعية عن هذه اللوحات حيث يرى أنها لا تنطوي في الحقيقة على أي شيء جديد فعليا.

الإنسان والآلة
الإنسان والآلة

ويتجنب باشيل استخدام تعبير الذكاء الاصطناعـي لأن هذا المصطلح يثير، على حد قوله، التوقعات بشأن وجود نوع من الاستمرارية بين الإنسان والآلة.

ويوضح قائلا، إنه لو كانت هذه المحاولات الفنية تعبر فعلا عن هذه الاستمرارية، فهي محاولة لتسليم العملية الإبداعية من الإنسان إلى الآلة.

ويرى الباحث أن هناك مشكلة “إذا ما استخدمنا مصطلح الذكاء الاصطناعي بمعناه السطحي، ونقول، إن هناك إبداعا اصطناعيا، وأن هناك بعض الوعي وراء هذه العملية مما يؤدي إلى ابتكار شيء جديد، فهذا غير صحيح، وحقيقة الأمر أن بعض الفنانين البشر هم الذين ابتدعوا هذه المنظومة ثم يضغطون على مفتاح التشغيل”.

وينطوي عالم فنون الذكاء الاصطناعي على وجوه عديدة، فقد حصلت هيل غيته على جائزة في مدينة ميونيخ الألمانية عن دراسة بحثية بعنوان “التشابه الرقمي”، حيث ابتكرت تطبيقا إلكترونيا يتم تنزيله على الهواتف الذكية، ويمكنه إدخال أيقونات التعبير عن المشاعر “إيموجي” على لوحات لمشاهد طبيعية، ثم معالجة هذا الإنتاج الفني في صورة رقمية وطباعته.

وفي برلين، يعمل الفنان روما ليبسكي بشكل أكثر تعقيدا، حيث قدم بالاشتراك مع زميله فلوريان دومان من المبادرة الفنية “واي كيو بي” شراكة حقيقية بين الرسام والذكاء الاصطناعي.

وأزاح ليبسكي النقاب عن الآلة التي يطلق عليها اسم “ميوز” والتي ابتكرت تسع لوحات مختلفة لمناظر طبيعية في كاليفورنيا، ثم قام جهاز الكمبيوتر الخاص بدوميان بوضع لمسات خاصة به على هذه اللوحات.

ويمكن مشاهدة الأفكار الجديدة التي توصل إليها الكمبيوتر على شبكة الإنترنت من خلال رابط يحمل اسم “غير المنتهي”، وهو نفس الفكرة من وراء هذا العمل. ويرى باشيل أن تطوير الذكاء الاصطناعي هو شكل من أشكال العودة إلى المبادئ الأصلية للفن.

ويشرح فكرته قائلا إن “بصمة الذكاء الاصطناعي تضمن تعزيز الطابع الكلاسيكي في المنظومة الفنية”، لأنها تطرح أسئلة مثل “ما هو الإبداع؟” و”من هو الفنان؟” و”من هو المؤلف؟”.

وأكد باشيل أن المعنى المفترض من العلاقة بين الفن والذكاء الاصطناعي يقودنا في الواقع إلى هذه الأسئلة القديمة.

إبداعا اصطناعيا
إبداع اصطناعي

 

20