الروح في شهقتها

الاثنين 2017/10/23

النحت فن صعب. فهو يتطلب جهدا يقع خارج منطقة الانفعال المباشر. يبذل النحات جهودا كبيرة من أجل تدريب نفسه على القبول بأداء دور الصانع. فهو يخصص ثلاثة أرباع وقته من أجل الاتقان والوصول إلى نتائج كاملة ليس هناك ما يعيبها.

النحات كائن صبور، متأمل وتابع لخيال يده. يده هي التي تفكر وتحلم وتتخيل وتخلق. ما من شيء يحدث بالصدفة في النحت. لذلك فإن النحت هو مهنة الكادحين. في الطريق إلى متحف تيت بريتان على ضفة نهر التيمز مباشرة هناك منحوتة لهنري مور لا أمل من الوقوف أمامها أو بالأصح الدوران من حولها.

بالتأكيد لم يساعده أحد في إنجازها. ذلك لأن كل سينتمتر منها يشهق بلمسته. هي ليست كتلة لتُرى من بعيد. يحتاج المرء إلى أن يقترب منها ليغمض عينيه على تفاصيلها الدقيقة. وهو بالضبط ما يحدث لي كلما تأملت منحوتة صغيرة كان النحات اللبناني بسام كيرلوس قد أهداني إياها قبل سنوات. كلما وقع نظري عليها أشعر أني أراها أول مرة.

هناك شيء ما قد فاتني منها في المرات السابقة. تفصيل صغير يعينني على فهم ما أراد النحات أن يُظهره. شيء لم أفكر فيه من قبل. ليست المنحوتة موضوعها أو فكرتها ولا الشكل الذي تظهر من خلاله.

هناك روحها التي تظل مقيمة في أعماقها لتكون مصدرا لتجلياتها المتجددة. أمر بمنحوتة مور فأضطر للوقوف أمامها مرتبكا ومتلفتا وحائرا، لا تزال يد النحات تتنفس بين ثناياها. حين أنظر إلى منحوتة كيرلوس أبحث عن أثر له في بيتي كما لو أنه تركها لتوه واختفى.

لقد قضى النحات زمنا طويلا محتضنا هذه الكتلة التي لم تعد صماء بعد أن مرت أصابع مستفهمة بين عروق مادتها تاركة هناك معجما من الكلمات التائهة.

كيرلوس نحات استثنائي من جهة قدرته على أن يهب الصمت جلالا مستلهما من الهالة التي تنبعث من المادة وهي تتحول إلى حدث روحي نفيس.

كاتب عراقي

16