الروسي البريطاني يوري كوبر يوقظ الجماد في معرض باريسي

معرض فني ثيمته "الطبيعة الميتة" تتوزع في لوحات عن أشياء مهملة يبحث من خلالها الرسام عن رابط بين الانسان والأشياء، بين متعة الرؤية وآثار الذاكرة.
الاثنين 2018/12/24
متعة الرؤية وآثار الذاكرة

حتى مطلع شهر مارس من عام 2019 القادم، يحتضن رواق “مينسكي” بالعاصمة الفرنسية باريس معرضا فنيا للبريطاني من أصل روسي يوري كوبر، ثيمتُه “الطبيعة الميتة”، وتتوزع في لوحات عن أشياء مهملة يبحث من خلالها الرسام عن رابط بيننا وبين الأشياء، بين متعة الرؤية وآثار الذاكرة.

ولد يوري كوبر في موسكو عام 1940، ودرس منذ نهاية الخمسينات بأكاديمية الفنون في العاصمة الروسية، ثم انخرط بعد التخرج في اتحاد الفنانين قبل أن يسافر إلى نيويورك حيث نشر رواية بعنوان “مجانين مقدسون في موسكو”، ظل بعدها يتنقل بين باريس ولندن حيث استقر وحصل على الجنسية البريطانية عام 1983.

بدأ يعرض أعماله الفنية التي تراوحت بين الرسم والنحت والنقش في باريس منذ مطلع السبعينات، لا سيما في غاليري “كلود برنار” الشهيرة، ولئن اتسمت تلك الأعمال في بداياتها بشيء من الاحتذاء بتجارب المعاصرين، فقد اتجهت منذ ثمانينات القرن الماضي إلى ما أسماه النقاد بـ”الواقعية الكئيبة”، نظرا لاستعماله ألوانا خريفية مغبرّة بالرمادي والبنّي والأخضر.

والفضل في هذا التحول، كما يروي كوبر نفسه، يرجع إلى المصور الإنكليزي الشهير جون ستيوارت (1919-2017) ولم يكن قد سبق له أن رأى أعمال الفنان، فلما اطلع عليها قال له “بصراحة، أنت رسام جيّد، ولكنك ترتكب حماقات، لم لا تكتب الواقع؟ لم لا ترسم هذه الأشياء التي تحيط بك؟”، ومنذ ذلك اللقاء، صار كوبر ينتبه إلى ما حوله من أشياء وأدوات عديمة القيمة في الظاهر، ولكن لها ذكريات في حياته الخاصة، وفي حياة كل من استعملها.

بيد أنه كان يصوغها بطريقة تجعل المشاهد ينظر إليها دون وسيط، لإيمانه بأن اللوحة ينبغي أن تنوّم، كما نوّمه هو سطحُ الأداةِ المتأمَّلِة، وبذلك صار كل ما يحيط به في مرسمه من فرش ومسَجات ومحاملِ ألوانٍ وأوعيةٍ ثيمةً تتوسط صفحة من الفضاء الذي وضعت فيه، ولكن باستعمال تقنية تقوم على الإيهام ببناء صورة ثلاثية الأبعاد على خلفية مسطحة، يجعل تلك الخلفية تثبت ذلك الوهم بدل تدميره.

وغالبا ما يستعمل كوبر الدهن مع الكولاج على صفحات مستعملة لسبورات سوداء قديمة وصفائح صدئة وألواح خشبية متآكلة وأوراق متموّرة ممزقة، يقحم في وسطها أداة حقيقية، خفيفة الوزن، كالملاعق والفرش والقناني، وهي تقنية أبدع كوبر في التمرس بها حدّ التميز، حتى صار أسلوبه المخصوص في الاحتفاء بـ”الطبيعة الميتة”.

الأشياء المهملة لدى يوري كوبر تصبح حمالة لمعلومة ذات صبغة وجدانية، وهو الذي يعمل على تجميلها بدقة لا تضاهى

فالأداة المختارة تتبدى بارزة حتى حينما يمتزج السطح بالخلفية، بل إن السطح يبدو أحيانا جزءا مجلّى من الخلفية، ما يمنحها نوعا من العمق، ذلك أن الأشياء لدى كوبر تصبح حمّالة لمعلومة ذات صبغة وجدانية، يعمل على تجميلها بدقة لا تضاهى، ما يجعلها تستبطن قوة متفجرة لذاكرة زمن مضى، وأحداث اتصلت بشكل أو بآخر بلحمة الأشياء ونسغها، ويحول مظهرها الخارجي ليُدمج في طياتها طاقة عجيبة على جعل المتفرج يستحضر تلك الذاكرة.

ظل كوبر في الحدود الفاصلة بين التجريدية الحركية والتجريدية الهندسية، كما يقول الناقد دونالد كاسبيت، واستطاع أن يفرض حضوره كفنان مستقل خارج التصنيف القديم الذي كان يضعه في خانة “فنان سوفييتي”، وساهم في معارض عديدة في السويد والنمسا وألمانيا والنرويج والولايات المتحدة واليابان علاوة على البلدان الأولى التي احتضنه أي روسيا وفرنسا وإنكلترا.

عاش كوبر إذن في الغربة، وتعرف على عدة فنانين معاصرين، أهمهم في نظره الألماني أنسيلم كيفر، فقد أعجب بتقنيته وفلسفته ومعارفه العلمية المعمقة، واستفاد منها في تصوره الخاص لفنه. ولكنه عاد بعد سقوط النظام الشيوعي إلى روسيا، حيث يقضي اليوم معظم أوقاته في إنجاز مشاريع تتوزع بين الرسم والهندسة والديزاين وإخراج الأفلام والمسرحيات وإعداد رسوم تصويرية لبعض المؤلفات، آخرها “موزارت وسالييري”، و”كتاب أيوب” اللذان يُعتبران من أجمل الكتب التي أعدها فنان معاصر.

يقول يوري كوبر “كل شيء حولنا نائم، ولا ينكشف الواقع إلاّ بشعاع شاعري”. ومن ثم حرص على إيقاظه، من خلال لوحات كئيبة تمثل أدوات وأشياء عادية، بسيطة، نائمة، من أدواته التي يستعملها في مرسمه إلى بعض الأزهار التي تزين شرفة بيته.

وفي تلك الألوان ذات الصبغة الرمادية المزرقة، أو الزرقة الرمادية الكابية، تتبدى الأشياء مثل ألواح النذائر التي توضع في دير أو كنيسة، وتوحي بأنها تكاد تنفصل عن الخلفية، لتتوارى خلف ضبابية تشكيلية، ما يضفي على الأثر نوعا من الإنسانية، إذ يحزر عبرها المشاهد ماضيا أو ذاكرة لمن امتلكوه أو استعملوه، فيسمو العمل إلى مستوى حمّال خبر أو ناقل معلومة وجدانية.

وبذلك يكشف يوري كوبر عن الخيط الرفيع الذي يصل البشر ببيئتهم، دون أن يسعى إل محاورتهم، بل يكتفي بوضع الأشياء حيث ينبغي أن توضع، لكي ننظر إليها مباشرة، فنَصْحو بدورنا.

16