الرياضة الروحية

الرياضة الروحية طريقة مثلى للتخفيف من حدة الأزمات النفسية، والتوازن الروحي، يلجأ إليها الفلاسفة والشعراء والكتاب.
الثلاثاء 2018/06/19
البوذية قلصت من أوجاع وآلام جسده المعوق

في عالمنا المعاصر الموسوم بالعنف والسرعة والمفاجآت السيئة غالب الأحيان، باتت الرياضة الروحية مثل اليوغا، طريقة مثلى للتخفيف من حدة الأزمات النفسية، والحفاظ على التوازن الروحي. ولا يلجأ إلى هذه الرياضة عامة الناس فقط، بل أيضا الفلاسفة والشعراء والكتاب.

 وهذا هو حال الفيلسوف السويسري ألكسندر جوليان الذي ولد معوقا عام 1975 ليقضي العشرين سنة الأولى من حياته في مصحة للمعوقين. وكان في الرابعة عشرة من عمره لمّا شرع في الاهتمام بالفلسفة بعد أن اكتشف مقولة سقراط الشهيرة “اعرف نفسك”. ومستعينا بالكتب الفلسفية التي أقبل على قراءتها، سعى إلى تجاوز متاعبه النفسية والصحية، باحثا عن الطرق الكفيلة بمساعدته على التخلص من كل ما يعيقه عن الحركة، وعن التجاوب مع المحيط البشري.

وفي الرابعة والعشرين من عمره، أصدر كتابا حمل عنوان “مديح العجز”، وفيه سجل خواطره عن هشاشة الكائن البشري من خلال تجاربه الخاصة. وفي الحين لاقى الكتاب رواجا كبيرا في سويسرا، وفي فرنسا، وفي ألمانيا، وفي العديد من البلدان الأوروبية الأخرى. بل إن ألكسندر جوليان أصبح “نجما” محبوبا من قبل جمهور عريض من المعجبين يستقبلونه بحرارة في جميع المدن التي يحلّ بها لتقديم كتابه، وبشغف يتابعون البرامج التلفزيونية التي يدعى إليها، والتي يبرز فيها نزاهته، وشجاعته، وثقافته الفلسفية الواسعة.

وبعد زواجه من سويسرية التقى بها في أيرلندا أثناء رحلة سياحية، ومنها أنجب طفلين، قرّر ألكسندر جوليان ترك بلاده ليستقر في سيول، عاصمة كوريا الجنوبية. وفي عام2015، أصدر كتابا جديدا بعنوان “العيش من دون سؤال”، وفيه يشرح توجهاته الفلسفية الجديدة المرتكزة على البوذية، والرياضة الروحية، معترفا بأن قراءاته المعمقة لفلاسفة الإغريق، ولسبينوزا، ونيتشه، ولفلاسفة الأنوار الفرنسيين بهرته في البداية إلاّ أنها لم تمكنه من الحصول على السكينة الروحية التي يحتاجها لضمان ثقته في الحياة في وقت عسير. كما أنها لم تساعده على معالجة جسده المعوق. لذلك ظل “يدور في حلقة مفرغة”، بحسب تعبيره، مُصطدما دائما بنفس الجراح، وبنفس القروح النفسية، وبنفس الهواجس والمخاوف التي كانت تؤرقه من حين إلى حين.

لكن ذات يوم، رافق الكسندر جوليان زوجته إلى ناد كانت تمارس فيه الرياضة الروحية على الطريقة البوذية. وعلى مدى عشرين دقيقة مارس الرياضة المذكورة متحملا الأوجاع التي سببتها له. وما إن انتهى من ذلك حتى وجد نفسه مفتونا بها خصوصا بعد أن أدرك أن الفلسفة الغربية لا يمكن أن تقلص من أوجاع وآلام جسده المعوق.

أما الرياضة الروحية فتنسيه جسده لتقوده إلى روحه. وهو يقول “حالما اكتشفت خفايا البوذية، أصبحت الفلسفة ثانوية بالنسبة إليّ. إلاّ أنه لا يمكنني أن أنسى فضلها عليّ. فقد كانت بمثابة لغتي الأم، منها تغذيت في شبابي، ومنها تعلمت كيف أفكر. غير أن الشفاء الروحي لا يمكن أن يحصل اعتمادا على المفاهيم الفلسفية”. ويضيف ألكسندر جوليان قائلا “لم يعد لي معلم! لقد أصبحت معلم نفسي!”.

وقبل الشروع في ممارسة الرياضة الروحية، كان ألكسندر جوليان قد تعرف في سويسرا على رجل دين مسيحي متخصص في البوذية، ويدرّس في جامعة سيول. وبعد نقاشات طويلة معه، قرر أن يلتحق به بعد أن تيقن من أنه سيكون طبيبه الروحي؛ لا يداويه بالخطب، وبالمواعظ، ولا بالنصائح بل بالطريقة التي يدير بها شؤون حياته. وبمساعدته تعرف على النصوص البوذية الأساسية. لذلك بإمكاني أن أقول إنه مريده وتلميذه.

ويشير ألكسندر جوليان إلى أنه اكتشف أن البوذية تلتقي في كثير من جوانبها الروحية مع الفلاسفة الروحيين الغربيين مثل إيكهارت، وتيريزا. وإلى جانب قراءته اليومية للنصوص البوذية، يخصص ألكسندر كل يوم ساعة من وقته للتأمل. وهو يعتبر أن هذا التأمل هو الطريقة الأمثل للتخلص من القلق، ومن المتاعب اليومية، ومن الأفكار الرثة، ومن كل ما يعيق تحرره الروحي، ويمنعه من أن يعيش الحياة من دون مخاوف ومن دون أسئلة مزعجة ومخيفة.

14