الرياضة النسائية تتراجع والمجتمع يناقش الزي الرياضي الشرعي

الرياضة النسائية العربية ظلت من المواضيع المثيرة للجدل حتى عصرنا الراهن. ورغم ما حققته الرياضيات العربيات من نتائج مشرفة على الأصعدة المحلية والدولية إلا أن حركات جذبهن للوراء ما تزال قائمة بل لعلها تزداد قوة وتشددا في غياب قرارات سياسية وقوانين تضمن حق المرأة العربية في ممارسة جميع الرياضات التي تستهويها دون قيد أو شرط. وهو ما يفسح المجال لتواصل الصراع بين الموروث الثقافي الإسلامي المحافظ والمتشدد وبين توجه النساء العربيات للحصول على حقوقهن كاملة ومن بينها حقهن في ممارسة الرياضة.
الأحد 2016/01/17
رياضة شرعية بزي شرعي لكن لا نتائج إيجابية

كثيرا ما تربط مشاركة المرأة العربية في المسابقات والمنافسات الرياضية الدولية بمسألة الزي الرياضي الذي يتحكم بطريقة غير مباشرة في إقبال الفتاة العربية على ممارسة الرياضة، سواء كانت فردية أو جماعية. وحتى لو كانت موهوبة فإن حدود الأخلاق والزي الشرعي والزي الرياضي والعادات والتقاليد العربية والإسلامية المحافظة والدين الإسلامي ورفض بعض المجتمعات والأسر لدعم وتشريك بناتهم في الألعاب الرياضية تقف جميعها حواجز متراصة في وجهها.

في فترة الثمانينات وبداية التسعينات شاركت العديد من الرياضيات العربيات في الدول التي تسمح بمشاركة رياضياتها في المنافسات والألعاب الدولية وحققن نجاحات كثيرة وفزن بعدد من الميداليات الذهبية ورفعن رايات دولهن من أمثال نوال المتوكل من المغرب وغادة شعاع من سوريا وحسيبة بولمرقة من الجزائر ورانيا علواني من مصر ومريم الميزوني من تونس وغيرهن أسماء كثيرة جلبت إلى بلدانها الميداليات. هذه القائمة من الرياضيات العربيات مرفوقة بقائمة من النجاحات تدون تاريخ عصر ازدهرت فيه الرياضات النسائية في القرن الماضي.

اللافت للانتباه أنه وفي السنوات الأخيرة ورغم ما تبدو عليه أوضاع النساء العربيات من تطور ورغم ما تتشدق به الدول العربية من تقدم في مجال حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين إلا أن أداء الرياضيات العربيات شهد تراجعا إن لم نقل انتكاسة. فالنكوص على مستوى الإنجازات والنتائج الرياضية الدولية يرجع لأسباب عديدة أهمها ما تمر به أغلب الدول العربية من اضطرابات أمنية وسياسية جعلت الشأن الرياضي برمته في درجة ثانوية وجعلت تناول قضايا الرياضات النسائية من زاوية دعمها وتشريعها القانوني لا يتم إلا في المناسبات الرياضية.

ومن أبرز المسائل الرياضية المتعلقة بالمرأة في الدول العربية الإسلامية والتي تم طرحها ومناقشتها هي مسألة الزي الرياضي الذي مثل عائقا أمام مشاركة العديد من الدول في المنافسات الدولية والألعاب الأولمبية التي تشترط تكافؤ المشاركة الرجالية والنسائية من كل بلد وهو ما دفع بعض الدول مثل المملكة العربية السعودية إلى المطالبة بارتداء الرياضيات للحجاب وللباس محتشم يتماشى مع ثقافة وديانة مجتمعات هذه الدول. ولكن رغم السماح للرياضيات العربيات بارتداء غطاء الرأس في عدد من المنافسات الدولية إلا أن الإنجازات الرياضية النسائية العربية ظلت محدودة لتثبت أن مشاكل الرياضة النسائية العربية تتجاوز الزيّ الرياضي “الشرعي” إلى مسائل أعمق أهمها الوعي بأهمية وقيمة دعم حق المرأة في ممارسة الرياضة ومعاملتها مثل الرياضيين الذكور.

تطوير الرياضة النسائية العربية يبدأ بتغيير النظرة للمرأة

حال الرياضة النسائية يتسم بالركود في حلقة مفرغة بين ما تحلم به المرأة العربية عموما من مواكبة للتقدم الحاصل في مجال الرياضة في العالم وتحقيق الفوز والإنجازات والنجاحات وبين مطرقة التقاليد الاجتماعية المحافظة التي لا تستسيغ ممارسة النساء للرياضة وظهورهن بأزياء رياضية يصفها المتشددون بالعري ويرون أنها لا تنسجم مع تعاليم الدين الإسلامي ولا مع روح الثقافة العربية لكونها تقدم المرأة في صور عارية.

أهم العقبات أمام الرياضيات العربيات هي غياب العمل في أعلى هرم السلطة في جل الدول العربية على تغيير الثقافة والأفكار الرجعية بشكل جذري لأنها تقيس جميع حقوق النساء بالعقلية الذكورية التي لا تريد أن تظهر المرأة إلا على ما تستسيغه ذائقتها التمييزية

ورغم محاولات الرياضيات العربيات الارتقاء برياضاتهن ورغم توجه سياسات بعض الدول العربية مثل تونس والمغرب ومصر وبعض دول الخليج العربي مثل البحرين لتشجيع العنصر النسائي ودعم مكتسباته الرياضية إلا أن النجاح والإبداع النسائي في الرياضة ما يزال محدودا ويرجع غياب الإنجازات الرياضية النسوية لمسائل ثقافية أساسا؛ وإلى استمرار التضييق على المشاركة النسائية في الرياضة حيث لا يوجد وعي في المجتمعات العربية بأحقية المرأة في أن تمارس الرياضة وتتميز فيها وليس هناك دعم حقيقي لذلك. وهو ما يجعل العديد من الأسر لا تتقبل دخول بناتها لممارسة الأنشطة الرياضية وتحبطهن منذ الطفولة كما ترفض ما تفترضه المنافسات الدولية من سفر وانتقال من بلد إلى آخر من دون محرم.

أهم العقبات أمام الرياضيات هي عدم تقبل الوعي الجمعي العربي ذي الخلفية المسلمة لتواجد المرأة في النشاط الرياضي لذلك تصل قليلات منهن لمنصات التتويج العالمية. وغياب العمل في أعلى هرم السلطة في جل الدول العربية على تغيير الثقافة والأفكار الرجعية بشكل جذري لأنها تقيس جميع حقوق النساء بالعقلية الذكورية التي لا تريد أن تظهر المرأة إلا على ما تستسيغه ذائقتها التمييزية. ورغم أن عددا هاما من الرياضيات تمارسن ما يسمى حديثا بـ”الرياضة الشرعية” أي رياضة يلتزمن فيها بغطاء الرأس والحجاب والسراويل وستر وتغطية أجسادهن إلا أن تشجيعهن يظل منقوصا وهن لا تحظين بنفس الدعم الذي يحظى به الرياضيون الرجال حتى وإن تفوّقن بإنجازاتهن وتتويجهن عليهم.

العداءة التونسية الحبيبة الغريبي مثلا كانت من بين الرياضيات اللاتي رفعن راية بلدها وأحرزن على عدد من الميداليات التي رفعت بها شأن المرأة التونسية في المحافل الدولية وبالتالي شأن تونس في الرياضات الفردية، لكن هذه الإنجازات لم تشفع لها ولم تحمها من الانتقاد ففوزها لم يقابل بالافتخار والعرفان ليس من جل الجماهير الرياضية بل من فئة من المحافظين والمتشددين دينيا الذين باتت آراؤهم تسمع وتؤخذ بعين الاعتبار بعد صعود موجات التطرف الديني والاسلام السياسي في تونس، حيث أهملوا فوزها بالميداليات الذهبية وتحطيمها لأرقام قياسية عالمية وركزوا على انتقاد مظهرها في لباس غير محتشم (الزي الرياضي الخاص بالعدو) إذ يرونه عارا ولا يتناسب مع قيم وأخلاق المجتمع التونسي المسلم.

نوال المتوكل دونت اسمها بحروف لا تمحى في تاريخ تمثيل الرياضات الفردية المغربية والعربية

وغير مثال الغريبي أمثلة عربية عديدة فمن الرياضيات من اعتزلت في بدايات مشوارها الرياضي لأنها إمّا لم تجد الدعم العائلي والمجتمعي والحكومي اللازم رغم موهبتها وقدرتها على تحقيق النجاح أو لاقتناعها بأنها لا يمكن أن ترتاح في الأزياء الرياضية الرسمية للمنافسات الدولية ولا تستطيع أن تمارس رياضتها المفضلة دون غطاء الرأس أو ما شابه من الأزياء المحتشمة.

هذه الأسباب والتجارب وضعت بعض منظمي المنافسات الدولية أمام ضرورة قبول ارتداء اللاعبات المسلمات والعربيات في بعض الرياضات للحجاب أو للسراويل وهذا ما وافقت عليه اللجنة الأولمبية الدولية المشرفة على أولمبياد لندن 2012، حيث فسح المجال للرياضيات السعوديات للمشاركة لأول مرة في مسابقات دولية بعد مطالبة السعودية بارتدائهن الحجاب أثناء المباريات، ولكن هذه المشاركة لم تحصد تتويجات دولية ليتواصل السجال في المملكة حول أول مشاركة للمرأة السعودية في الألعاب الأولمبية.

الجدل تجاوز المملكة إلى الفضاء العربي بين أنصار المرأة الذين يرون أنه من حقوقها الطبيعية أن تمارس الأنشطة التي تستهويها دون تدخل من أحد ولا وصاية ذكورية عليها، وبين التيار الديني المحافظ الرافض تماما لممارسة المرأة للرياضة وبالتالي لمشاركتها في المنافسات المحلية والدولية، وانتقل ليشمل قضايا أبعد من المشاركة النسائية في الرياضة حول مشاركة المرأة في الفضاء العام وخاصة في شتى الأنشطة الثقافية والفنية.

رغم أن ظهور رياضيات مسلمات وعربيات مرتديات للحجاب وللباس محتشم بات مقبولا بشكل نسبي خاصة في الدول الغربية إلا أن تأخر الرياضات النسائية العربية عن اللحاق بركب الرياضة في العالم يزداد منسوبه لتتسع الفجوة بين الرياضيات في الدول العربية والمسلمة من جهة وبين نظيراتهن من السيدات في الدول الغربية وبينهن وبين الرياضيين الرجال في نفس الدولة.

تاريخ الرياضيات النسائي الحافل بالإنجازات لم يتوج بتحقيق المساواة

وضع الرياضات النسائية العربية اليوم أسوأ مما كان عليه في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وهو ما يحيلنا على انقطاع في الإنجازات التي حققتها ثلة من الرياضيات العربيات خاصة في مجال المنافسات الفردية ولعل تصاعد التضييق وعدم الاقتناع بحق الفتيات في ممارسة الرياضة وكذلك صعود تيارات التشدد الديني والاضطرابات السياسية للمنطقة العربية تمثل الأسباب الرئيسية لذلك.

سطعت أسماء عربية لعديد اللاعبات من الدول العربية في المحافل المحلية والإقليمية والدولية وكن نجمات عصرهن ومفخرة لدولهن وللجمهور الرياضي العربي. وكان للرياضيات من شمال أفريقيا ومن دول المغرب العربي نصيب الأسد في الوصول إلى منصات التتويج العالمية مقارنة بالنساء من بقية الدول العربية حيث قبلت مجتمعاتها وحكوماتها تشريك النساء في المنافسات الإقليمية والدولية وكذلك مصر أما بعض الدول الخليجية مثل المملكة العربية السعودية فلم تسمح لرياضياتها بالمشاركة في المسابقات الدولية إلا منذ عام 2012.

ولم نعد نسمع عن بطلات عربيات على عكس سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي مثل المصرية رانيا علواني التي تلقب في مصر بالسمكة الذهبية وهي من مواليد 1977 وتعرف على أنها أول سباحة مصرية وعربية تحصل على ميداليتن ذهبيتين في السباحة في تاريخ دورات البحر الأبيض المتوسط منذ إنشائها في عام 1951 بالإضافة إلى الفوز بـ77 ميدالية على المستوى الدولي والأفريقي والعربي خلال مسيرتها التي انتهت عام 2000 لتتولى عديد المناصب في المجال الرياضي ومؤخرا عينت من بين أعضاء البرلمان المصري.

الدعوات لتحجب الرياضيات شجرة تخفي غابة الموروث الثقافي العربي

ويفتقد المغرب إلى اليوم نجمة رياضية في مكانة العداءة نوال المتوكل التي دونت اسمها بحروف لا تمحى في تاريخ تمثيل الرياضات الفردية المغربية والعربية في المسابقات الدولية وقد فازت المتوكل عام 1984 بالميدالية الذهبية في سباق 400 متر حواجز خلال دورة لوس أنجلوس لتكون أول عربية تحصل على هذا التتويج. كما تحصلت عام 1987 على ذهبية دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في سباق 400 متر عدو في سوريا ومن ثم واصلت طريقها في التميز لتحصد ألقابا لم يبلغها أبناء جيلها من الرجال في المغرب، ومازالت المتوكل إلى اليوم تمثل الوجه المشرق للرياضة في المغرب وتعد فخرا للرياضة النسائية المغربية على وجه الخصوص.

وتقلدت المتوكل عديد المناصب الهامة في المجال الرياضي محليا ودوليا ومنذ عام 1998 أصبحت عضوا في اللجنة الدولية الأولمبية وكانت قد دخلت المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لألعاب القوى عام 1995، وأسندت لها مهام وزيرة للشباب والرياضة عام 2007 وتشغل حاليا منصب رئيسة لجنة تنسيق أولمبياد ريو دي جانيرو 2016 لتواصل بعملها وتاريخها الرياضي الحافل إثراء نجاحات المرأة العربية في المجال الرياضي على النطاق المحلي والدولي.

أما في سوريا التي تعيش فيها المرأة اليوم أسوأ الأوضاع التي مرت بها في تاريخها حيث باتت تكافح من أجل الظفر بحياة كريمة تضمن لها الحق في الحياة أولا وتحقيق السلام والأمان ثانيا لذلك غابت إنجازات الرياضيات السوريات عن المسابقات والألعاب العربية والدولية. وهو ما جعل غادة شعاع المولودة عام 1972، تظل أبرز لاعبة ألعاب قوى سورية في العالم، وإلى جانب ما حققته من ألقاب في سوريا والعالم العربي أحرزت شعاع على ذهبية بطولة العالم لألعاب القوى في السويد عام 1995 ثم تحصلت على الميدالية الذهبية في الألعاب الأولمبية الصيفية عام 1996 في أتلانتا لتنال الميدالية الأولمبية الذهبية الأولى لسوريا في تاريخ الألعاب الأولمبية.

وتعرضت غادة لإصابة قاسية في ظهرها خلال تدريباتها الإعتيادية في دمشق، وتم ايفادها إلى ألمانيا في رحلة علاج طويلة ابعدتها عن ميادين ألعاب القوى فترة استمرت أكثر من عامين ثم عادت لتشارك عام 1999 في بطولة العالم لألعاب القوى في أسبانيا لتحرز على الميدالية البرونزية رغم معاناتها بعد رحلة علاج طويلة وتقدم صورة عن صبر وصمود الرياضيات العربيات رغم كل الصعوبات والعوائق. وتواصل ابتعاد غادة شعاع على اليوم عن الساحة الرياضية بسبب إهمال المسؤولين عن الرياضة في سوريا وفي الدول العربية لدعمها وتحفيزها وتشريكها في المسابقات الدولية وهم بإهمالهم لها يجعلون الرياضة النسائية تفقد كفاءة عالية قادرة على تحقيق تتويجات عالمية وإثراء رصيد الرياضيات العربيات من الانجازات والبطولات، هو إهمال عربي شبيه بإهمالهم للمرأة السورية عموما في ظل الأزمة التي تشهدها بلادها حاليا. وهو إهمال يجد صداه وأبعاده الأكثر شمولا في تهميش وإقصاء المرأة العربية في المجال الرياضي.

20