الرياضة تكسر أنياب التطرف

الرياضة لغة فصيحة وبليغة في إيصال رسائل السلام والمحبة والتقارب بين الأفراد والجماعات والشعوب على مختلف الأجناس والثقافات، ذلك أنها تحتفي بالجسد البشري وقدراته على المنافسة والتفوّق في طقوس احتفالية وفرجوية، تنبذ الضغائن وتناشد التقارب. الألعاب الأولمبية الحالية، المقامة في البلد الأصلي لبابا الفاتيكان لها أكثر من دلالة في هذا العصر الذي يصفه الجميع بالصعب، ويكثر فيه الخوف من انعدام التواصل الإنساني بفعل آفة الإرهاب التي تهدد الجميع دون تمييز.
الخميس 2016/08/11
رسالة تسامح من أولمبيا الإغريق إلى ريو دي جانيرو البرازيل

القاهرة - صحف ومواقع اجتماعية كثيرة، تناقلت صورة جمعت بين لاعبة مصرية ترتدي الحجاب ومنافستها الألمانية وهي بالبيكيني، وذلك في لعبة كرة الطائرة الشاطئية ضمن الدورة الحالية للألعاب الأولمبية المقامة في البرازيل، وعلقت صحيفة أسبانية بعبارة “رغم اختلاف الثقافات، تجمعهم الرياضة” وكان ذلك انعكاسًا واضحًا لدور الرياضة في السمو بالفكر الإنساني، ونبذ كل مظاهر التعصب والكراهية.

نعم هذا ما حدث وما يجب أن يحدث في البرازيل التي حيّاها ابنها، ساكن الفاتيكان، البابا فرنسيس بقوله «بالنسبة إلى البرازيليين الذين ينظمون عيد الرياضة بفرحهم وضيافتهم المميزة، أتمنى أن يكون ذلك مناسبة لتجاوز اللحظات الصعبة والانخراط في فريق عمل، من أجل بناء بلد أكثر عدلاً، وأكثر أمنًا بالحديث عن مستقبل مليء بالأمل والفرح”.

لا شك أنّ الهدف مازال ساميا ونبيلا من وراء الدورات الأولمبية التي ابتكرها الإغريق لأنفسهم، وجاء ليقدمها فيما بعد البارون الفرنسي “بيير دي فريدي دي كوبرتان”، في أواخر القرن التاسع عشر، هدية للعالم بعد أن انتشلها من غياهب النسيان، وأزاح عنها تراكمات السنين، وهذّب ما علق في ثوبها القديم من نزعات عنصرية وقومية متشدّدة، وألبسها ثوب العالمية ببعدها الإنساني العميق، فأصبحت واحة للسلام العالمي المنشود بين الشعوب.

أمثلة ناصعة وكثيرة لمفاهيم التواصل والتقارب بين الثقافات والشعوب، تقدمها الرياضة عبر تاريخها، رغم البعض من الزلاّت العنصرية من هنا وهناك، والتي سرعان ما يفضحها الإعلام ويندد بها أحرار العالم في كل مكان.

نماذج عديدة ومشرقة، سارت على خطى البارون الفرنسي في جعل الرياضة همزة وصل بين الأعراق والأجناس، ولغة نبيلة وبليغة للقول بأنّ الإنسانية يمكن أن تتجاوز أحقادها وضغائنها، وتكون أفضل ممّا هي عليه.

ولعلّ المثل الأقرب إلى الأذهان والقلوب أيضا، هو الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا، الذي قال يوما في إحدى الدورات الرياضية التي احتضنتها بلاده ”الرياضة لها سلطة تغيير العالم، سلطة الوحي وسلطة توحيد الناس، الرياضة تخلق الأمل في مكان لا يوجد فيه إلا اليأس، إنها أقوى من الحكومات في إسقاط الحواجز العنصرية”.

كثيرة هي ومتميزة، مواقف هذا الزعيم الأسطورة، وقدراته على صنع رسائل السلام من خلال الرياضة بجميع أنواعها، ففي عام 1995 -أي بعد عام على انتخاب نيلسون مانديلا رئيسا للبلاد- فازت جنوب أفريقيا ببطولة العالم للرغبي علي حساب منتخب نيوزيلندا، وقدم مانديلا رسالة سلام لأبناء بلاده بعد أن ارتدى قميص قائد المنتخب فرانسوا بينار، وعليه الرقم الذي سجن به طيلة 27 عاما في فترة التمييز العنصري (46664)، وقدم مانديلا الكأس لبينار في حركة شجعت السود على ممارسة اللعبة، وباتت ملاعب رياضة الرغبي في جنوب أفريقيا مفتوحة للجميع دون وجود حواجز عنصرية، فالملهم والقدوة مدّ يده لأبناء بلده من البيض وتبعه الجميع فتعززت الوحدة الوطنية التي لطالما كان يحلم بها.

كما أحب مانديلا الكثير من الملاكمين، وأبرزهم الملاكم الأميركي الأسطورة، الراحل محمد علي كلاي، وذهب البعض من الملاكمين العالميين إلى حد إهداء مانديلا بطولاتهم، اعترافا منهم بفضل هذا الرجل في الحد من معضلة العنصرية التي مازالت إلى اليوم تسجل حضورها في بعض الأماكن من العالم رغم أن الجميع تبنى فكرة مانديلا في محاربة هذه المعضلة واستئصالها بين الشعوب.

من يخدم الآخر، الرياضة أم السياسة؟ هو سؤال جدير بالطرح والتثبت في أبعاده، لكنّ الإجابة يمكن أن تكون واضحة، وبسيطة مثل روح الرياضيين، وليس كمثل سماجة السياسيين، ذلك أننا لم نسمع عن رياضي يحترف السياسة ويمارس أهواءه العنصرية ضد منافسيه، لكننا سمعنا وشاهدنا سياسيين كثيرين يستثمرون الرياضة لتسويق مشاريعهم.

13