الرياضة قوة ناعمة جديدة على طاولة الحكومات

السبت 2015/02/14
مكان الرياضة محفوظ في كبرى التظاهرات شأن منتدى دافوس الاقتصادي الذي يبحث إمكانية تفعيلها لمحاربة الفقر

تونس - لطالما حظيت الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، باهتمام الدول والشعوب، سواء تلك التي تبحث عن نفوذ رياضي يدعم نفوذها الاقتصادي والسياسي، أو الأخرى التي تبحث عن تميّز من بوابة الرياضة يضمن لها إثبات وجودها بين الأمم.

حالة من الغضب والاستياء تسود عدة دول عربية، في الآونة الأخيرة، احتجاجا على رئيس الكنفدارلية الأفريقية لكرة القدم، الكامروني، عيسى حياتو. وقد نقلت مصادر صحفية تونسية أن جهات مغربية ومصرية وجزائرية وتونسية تسعى إلى تقديم قضية دولية استعجالية ضد حياتو الذي يتولى المنصب المذكور منذ أواخر فترة الثمانينات من القرن الماضي، ويسعى إلى تغيير لوائح تتعلّق بقواعد الاتحاد بشأن حدّ السّن، من أجل أن يضمن لنفسه مواصلة البقاء على رأس الاتحاد القاري.


مظلمة كروية وحدت العرب


موجة الاحتقان والغضب تجاه عيسى حياتو، تصاعدت بعد خروج الفريق الوطني التونسي لكرة القدم من ربع نهائي كأس أفريقيا أمام غينيا الاستوائية (البلد المنظّم)، إثر احتساب الحكم لركلة جزاء مشكوك في صحتها لصالح الغينيين. وقد تجاوز الجدل حول هذه المسألة بُعده الرياضي الضيّق ليتّخذ بعدا أوسع، مثلما تجاوزت القضية بعدها الوطني التونسي لتتحوّل إلى قضية عربية بامتياز، جعلت البعض يقول إنّ “عيسى حياتو وحّد العرب الذين لم يوحدهم ما يجري في سوريا والعراق”، وإنّ “العرب يتحدون مع تونس بعد الفضيحة التحكيمية في كأس أمم أفريقيا”.

وما زاد من التضامن العربي في هذا المدار، هو الموقف الذي اتخذه حياتو من المغرب، الذي كان من المقرّر أن يستضيف البطولة هذه السنة لكّنه طلب تأجيلها بسبب انتشار وباء إيبولا القاتل في عدد من الدول الأفريقية. حيث أنّ حياتو سارع بالاتفاق مع رئيس غينيا الاستوائية لتحلّ محلّ المغرب وتتكفل بالتنظيم، وبذلك عاد منتخب غينيا الاستوائية الذي كان قد فشل في التأهل منذ الأدوار الأولى للتصفيات إلى المنافسات بدلا من نظيره المغربي.

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، بل إنّ الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف)، قضى باستبعاد المغرب وحرمانه من المشاركة في بطولتي أمم أفريقيا للدورتين القادمتين 2017 و2019، وتغريمه بمبلغ مالي يصل إلى 10 مليون دولار، الأمر الذي رفضه المغاربة والعرب عموما.

هذا التضامن العربي بل والعالمي الذي أثارته قضية مباراة تونس والعقوبات التي سُلّطت على المغرب، يُحيل إلى أنّ الدور الذي تلعبه المنافسات الرياضية عموما، وخصوصا كرة القدم، (وبعض الرياضات الشعبية الأخرى في بعض البلدان)، أضحى يكتسب أهمية كبرى وأبعادا أخرى تُقارب المجال السياسي.

المظلمة التي تعرض لها التونسيون والمغاربة على أيدي رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم تثير موجة احتجاجات واسعة في جل البلدان العربية

ويرى خبراء أنّ محاولة استئثار عيسى حياتو برئاسة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، تعكس في جانب من جوانبها رغبة دول غرب أفريقيا وجنوبها، بالأساس، في الحفاظ على هذا التميّز، في عالم تشعر فيه بالتهميش والفقر وليس هناك من طريقة أفضل من كرة القدم لتبرز فيه كدول “قويّة”؛ فلم تعد كرة القدم مجرد لعبة بل تحوّلت إلى عالم تتداخل فيه السياسة والمال والأفكار والطموحات القومية الكبرى.


الرياضة فاعل دولي قوي


من أبرز الباحثين الذين أخرجوا كرة القدم من ملعبها الرياضي إلى السياق الجيوسياسي العالمي، الفرنسي باسكال بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، الذي نشر العديد من الأبحاث والدراسات حول تأثير الرياضة على العلاقات الدولية.

يشير بونيفاس إلى أن الرياضة لم تعد فقط مجرد لعبة، فقد صارت منذ زمن بعيد عاملا جيوسياسيا هاما وعنصرا أساسيا من عناصر إشعاع الدول ونفوذها. وهذا النفوذ الذي يتحدّث عنه بونيفاس مغاير للنفوذ التقليدي، فـ”الكل يخشى الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا لكن لا أحد يخشاها في كرة القدم التي لا يسيطر عليها الأميركيون”، وفق بونيفاس في كتابه “كرة القدم والعولمة”.

صراعات الدول تنتقل إلى المجال الرياضي
القاهرة - في كثير من الأوقات تتسبب الرياضة في توتير العلاقات بين الدول، كما أنها تزيد في بعض الأحيان من درجة التوتر التي تسببت فيها الخلافات السياسية. فالتوتر السياسي الحاصل بين مصر وقطر على سبيل المثال، كانت الرياضة سببًا في زيادة حدّته، خاصة مع المحاولات المتكررة التي تقوم بها الدوحة من أجل منح عدد من الرياضيين المصريين الجنسية القطرية.

وقد تسبّبت قطر في أزمة شهدها اتحاد ألعاب القوى المصري، بعد هروب معاذ محمد صابر، لاعب رمي القرص، إلى الدوحة للتجنيس واللعب لفائدة المنتخب القطري في بطولة العالم المقبلة، ما دفع مسؤولي الاتحاد إلى مطالبة وزير الرياضة المصري خالد عبدالعزيز بالتحقيق في هذه الواقعة، وإسقاط الجنسية المصرية عن هذا الرياضي.

هروب الرياضيين المصريين يرجع في جانب من جوانبه إلى اهتمام دولة مثل قطر بصناعة الرياضة، وتقدير المواهب، وما يترتب عن ذلك من امتيازات مادية ضخمة لم يحصلوا عليها في بلادهم.

منذ عشر سنوات قامت قطر بمنح الجنسية إلى عدد من الرياضيين المصريين، خاصّة في رياضة رفع الأثقال، وتواصل الأمر مع محاولة بعض الدول الأوروبية تجنيس بعض الرياضيين المصريين. وكانت القضية ذاتها قد أثيرت في مجلس الشورى المصري منذ سنوات، خاصة بعد قيام إسرائيل بتجنيس عدد من الرياضيين المصريين من بينهم 7 في مجال كرة القدم، فضلا عن رياضات أخرى، أشهر المجنسين الملاكم محمد صبحي الذي حصل على عدة بطولات دولية باسم إسرائيل.

وأكد خبراء، أنّ هذه الظاهرة تؤكد اقتحام المال والسياسة للرياضة، لأنّ انتقال اللاعبين بين الدول بغرض الاحتراف، يؤدي إلى ضخ الأموال للأندية، كما أنّ خطف المتميزين، من شأنه تدمير قاعدة الموهوبين في بعض الدول، وحرمانها من ثروة هائلة.

ولا توجد أي علاقة مباشرة بين قوة دولة ما وحركيّتها الدولية ومستواها الرياضي. فجماييك، على سبيل المثال، هي دولة عظمى، على الصعيد الرياضي لكنها لا تمثّل قوة اقتصادية وليس لها أيّ تأثير سياسي عالمي. كما تميّزت البرازيل في مجال كرة القدم، في الفترة التي لم تكن قد التحقت فيها بعد بركب الدول الناشئة. وفي المقابل، لم تفرض الهند نفسها على الصعيد الرياضي، رغم تصدرها قائمة الدول الناشئة، وهو ما يحدّ من إشعاعها على المستوى الدولي.

من جهتها، أرست الصين برنامجا قوميا خصصته لمساندة الإنجازات الرياضية، وذلك بهدف الارتقاء بمستواها الرياضي ليبلغ مستواها الدولي كقوّة ناشئة بارزة. وكما يصف الزعيم الأفريقي الراحل، نيلسون مونديلا، كرة القدم بأنها "النشاط الأكثر توحيدا للجموع"، يقول بونيفاس إنّ “كرة القدم هي الاستثناء الأجمل في ظاهرة العولمة وهي الوسيلة التي تبقت لتحقيق التقارب بين الشعوب والمحافظة على الهوية الوطنية”.

ويضيف في دراسة حملت عنوان “جيوسياسية الرياضة” أن كرة القدم صارت اليوم أرضية جديدة للمواجهة السلمية التي تنظمها الدول عمدا. كما أنّها الطريقة الأكثر وضوحا لتسليط الضوء على “علم” دولة ما وإبرازها على الخارطة العالمية. هي طريقة لفرض وجودها على الجميع، فعندما تمحو العولمة الهويات الوطنية، تصبح الرياضة الطريقة الأكثر فعالية لتعزيز لُحمة الأمة حول مشروع مشترك وموحد، ولنا في ردّة الفعل العربية والعالمية على الأحداث الأخيرة في كأس أفريقيا مثال بارز.

ويقول بونيفاس “لو عمل الأميركيون على نشر الديمقراطية بنفس الحماس الذي نشر به الإنكليز كرة القدم في العالم لكان الحال أفضل اليوم”، واصفا كرة القدم بأنّها “عامل يهيّئ الساحة الدولية لما هو أفضل”. ويستشهد على ذلك بأنّ “الفيفا نجحت في إحداث تقارب بين الصين وتايوان، فالصين التي ترفض عضوية تايوان في الأمم المتحدة تقبل بعضويتها في الفيفا”.


دور سياسي واجتماعي


ولا تقتصر استثناءات كرة القدم على باقي مظاهر العولمة في الجانب السياسي فحسب، بل تتجاوزها لتشمل الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والسياسات الداخلية من منظور باسكال بونيفاس، وأيضا من منظور الباحث البريطاني، جيمس دورسي، صاحب مدونة وكتاب “العالم المضطرب لكرة القدم في الشرق الأوسط”.

من أبرز ما جاء في كتاب دورسي قوله إنّ “كرة القدم والدين يعدّان من بين الأشياء التي يُعرّف بهما جزء كبير من الناس أنفسهم”، مشيرا إلى أنّ كرة القدم بمثابة نافذة يمكن من خلالها متابعة التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، معتبرا أنّ التطورات الاجتماعية غالبا ما تكون أكثر وضوحا في ملعب كرة القدم، “إذ عادة ما يكون الملعب هو المكان الذي تكسر فيه التابوهات”.

أصبحت ملاعب كرة القدم في مختلف أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدار السنوات العديدة الماضية ميادين للمطالبة بالحقوق السياسية والعمالية، فضلا عن القضايا المتعلّقة بالهوية الوطنية والأيديولوجية والعرقية. إنّ فحص الدور الحديث والتاريخي لمشجعي كرة القدم المتشددين في كلّ من مصر والأردن وإيران وبلدان أخرى، يمكن أن يساعد في إلقاء الضوء على موقف كل مجتمع حيال هذه القضايا في الوقت الحاضر. ونظرا لأهمية كرة القدم في حشد الجماهير، يتطلّع قادة التنظيمات الجهادية إلى استقطاب لاعبين في صفوفهم، كأداة للحشد. ويشير جيمس دورسي إلى أن العديد من الجماعات الإسلامية ترتبط، سرّا، بأندية محددة، خاصة في مصر، حيث تلعب مجموعة “الألتراس” دورا هاما في التأثير على الرأي العام.

الرياضة لم تعد فقط مجرد لعبة فقد صارت منذ زمن بعيد عاملا جيوسياسيا هاما وعنصرا أساسيا من عناصر إشعاع الدول ونفوذها

وقد فكرت جماعة الإخوان المسلمين في تشكيل ناديها الكروي الخاص في مصر عام 2011، في حين أن “حزب الله” اللبناني وغيره من الجماعات الدينية الأخرى لديها فرقها الرياضية الخاصة، والتي تعمل على إدارتها بالفعل في لبنان. غير أنه وعلى العكس من هذا التوجه يُعرف عن “حركة الشباب” الصومالية المتشدّدة أنها تعدم الناس لمجرد مشاهدتهم مباريات لكرة القدم.

ويرى دورسي أنّه بمقدور الحكومات “استخدام كرة القدم لتعزيز صورتها الخاصة، أو بهدف صرف الانتباه عن قضايا أخرى. ولعلّ أبرز مثال في هذا السياق كرة القدم الأفريقية، حيث ركب على أمواج هذه الرياضة الكثير من القادة السياسيين الأفارقة بهدف اكتساب الشهرة أو تعزيز الوحدة الوطنية لبلدانهم أو حتى لقارتهم، خاصّة أن أشهر أساطير كرة القدم في العالم لها أصل أفريقي.

وكان الرئيس الغاني الأسبق، كوامي نكروما، الرائد في هذا المجال، حيث كان أول رئيس لغانا المستقلة سنة (1957) شرع في ثورة سياسية واقتصادية واجتماعية وجعل الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، ضمن أوكد اهتماماته. وكان للسياسة الرياضية التي تبناها نكروما في تلك الفترة نتائج جيدة على بلاده، وحذا عدة مسؤولين سياسيين أفارقة حذوه في ما يتعلق بهذه المسألة شأن سيكو توري، الرئيس الغيني الأسبق، حيث كانت الموسيقى وكرة القدم، في نظره، أفضل سفراء لغينيا في ذلك الوقت.

ويدرك القادة السياسيون الأفارقة حاليا أنه يمكن كسب جولات أخرى ومنافسات أخرى سياسية واجتماعية وما إلى غير ذلك بفضل الرياضة، لذلك وعلى عكس أوروبا حيث حررت احترافية الرياضة السلطات من المصاريف المتعلقة بالنشاطات الرياضية فإنّ الدولة الأفريقية مازالت تتحمل وبشكل شبه كامل كل المصاريف المتعلقة بهذا المجال. فالسلطات العمومية في أفريقيا تقدم كل وسائل تسيير النشاطات الرياضية انطلاقا من البنى التحتية، مرورا بمكافآت المباريات ورسوم النقل وصولا إلى مرتبات المدربين، ونتيجة لذلك فإنّ الدول تتدخل في كل مجالات إدارة رياضة كرة القدم.


تفاصيل أخرى:


الرياضة بوابة عبور إلى قبة البرلمان في مصر

6