الرياضيات والعلوم تتربع على عرش النجاح المهني

الجمعة 2014/08/22

لدي نبأ غير سار لكل المتخصصين في القانون والعلوم الاجتماعية والفنون: ربما تكون أفضل أيامكم قد ولت لأن المستقبل سيكون للعلماء والمهندسين والمتخصصين في الرياضيات.

وتشهد قاعات الدراسة في الجامعات بمختلف أنحاء العالم ثورة هادئة مع تكيف الطلاب مع سوق عمل صعبة عن طريق اختيار تخصصات كمية قابلة للقياس بدرجة أكبر. والوظائف الأعلى راتبا في الولايات المتحدة أصبحت تتطلب كلها تقريبا دراسة تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وأظهرت بيانات رواتب جمعها المكتب الأميركي لاحصاءات العمل في إطار دراسته السنوية للتوظيف المهني والأجور أن 60 بالمئة من الوظائف الخمسين الأعلى راتبا في الولايات المتحدة تحتاج لخريجين حصلوا على درجة جامعية أو دراسات عليا في تلك التخصصات ومنها علوم الطب.

وتقول وزارة التعليم الأميركية إن العدد السنوي للطلاب المسجلين في البرامج الجامعية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ارتفع بنحو 23 بالمئة بين عامي 2003 و2011 وهو أحدث عام تتوفر عنه مثل هذه البيانات.

وزاد عدد المسجلين في فروع العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بسرعة أكبر كثيرا مقارنة بالبرامج الجامعية بشكل عام والذي زاد بنسبة 5 بالمئة فقط خلال نفس الفترة.

وبسبب حوافز الرواتب إلى جانب المكانة المهنية المرموقة، يتجه الطلاب نحو الدراسة التي تتطلب موهبة حسابية عالية وهو ما يلزم للنجاح ماليا في اقتصاد يهيمن عليه الكمبيوتر وتحليل البيانات والتكنولوجيا المعقدة.

إن ازدهار النفط والغاز في أميركا الشمالية أحد الأمثلة التي توضح كيف ترسم الحوافز المالية ملامح الخيارات التعليمية لجيل جديد. فقد قفز متوسط دخل مهندسي البترول الأكفاء بنسبة 70 بالمئة بين عامي 2003 و2011 ليبلغ 149 ألف دولار، في وقت يكافح فيه مستوى الدخل لمواكبة معدل الزيادة في التضخم.

وارتفع متوسط دخل المتخصصين في الرياضيات وخبراء الإحصاء بنسبة 34 بالمئة خلال تلك الفترة. وكانت الزيادات أعلى من المتوسط بالنسبة إلى مهندسي الطيران والمهندسين البحريين.

وعلى النقيض ارتفع متوسط دخول جميع الوظائف 25 بالمئة فقط وهو ما يقل عن التضخم المتراكم الذي بلغ في تلك الفترة نحو 27 بالمئة، أي أن رواتبهم انخفضت من الناحية الفعلية. وكانت أوضاع المحامين أسوأ من ذلك. وحققت الفئة الواسعة لمهن الفنون والتصميم والترفيه والرياضة والإعلام متوسط زيادة بنحو 26 بالمئة.

وعلى مدى سنوات ظل السياسيون وخبراء التعليم في الولايات المتحدة يشعرون بالقلق إزاء تراجع قدرة الاقتصاد الأميركي على المنافسة وصعود منافسين خاصة في آسيا. واستند جانب كبير من هذا القلق إلى العدد المتزايد للمهندسين والعلماء الذين يتخرجون من الجامعات في الصين ودول العالم النامي. وجرى التعبير عن المخاوف نفسها في اليابان خلال السبعينات والثمانينات.

وفي 2007 نشر المجلس القومي للأبحاث والذي يضم الأكاديمية القومية الأميركية للعلوم والأكاديمية القومية للهندسة ومعهد الطب تقريرا يبعث على القلق بعنوان “تخطي العاصفة القادمة: تحفيز وتشغيل أميركا من أجل مستقبل اقتصادي أكثر إشراقا".

وقال التقرير: “نحن قلقون بشدة من تآكل لبنات البناء العلمية والتكنولوجية المهمة لريادتنا الاقتصادية في وقت تكتسب فيه دول أخرى كثيرة القوة”. وأضاف بنبرة متشائمة، “نحن قلقون بشأن ازدهار الولايات المتحدة في المستقبل".

ورغم افتراض كثيرين أن “الولايات المتحدة ستكون دائما زعيمة للعالم في العلوم والتكنولوجيا، فقد لا يستمر هذا الوضع كثيرا مع ظهور عقول وأفكار عظيمة في مختلف أنحاء العالم”. وقدم التقرير توصيات بينها “توفير المزيد من مدرسي الرياضيات والعلوم في المدارس الثانوية وزيادة عدد الطلاب المستعدين لدراسة موضوعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في الجامعة وزيادة عدد ونسبة المواطنين الحاصلين على درجة البكالوريوس في العلوم الفيزيائية والعلوم الحيوية والهندسة والرياضيات".

لكن السوق تبلي بلاء حسنا لحل المشكلة بنفسها. فتخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات تعد برواتب أعلى وفرص أفضل وأمان وظيفي أكبر. ويتجاوب الطلاب مع هذا بتغيير خياراتهم التعليمية والمهنية.

وخلال السنوات العشر المقبلة ستظل الدخول المرتفعة نسبيا والمكانة المرموقة للعلماء والمهندسين والمتخصصين في الرياضيات تجذب الطلاب إلى دراسة هذه التخصصات وتعزيز “القاعدة المعرفية” التي يقلق السياسيون والمعلمون والمعلقون كثيرا بشأنها.

وزيادة عدد طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات نبأ سار لصناعة النفط والغاز وأعمال أخرى تحتاج إلى توظيف عدد كبير من الخريجيين الذي يتمتعون بالمهارات الكمية. لكن المنظور المستقبلي للطلاب الحاصلين على درجات في التخصصات الأخرى أقل تفاؤلا بكثير.

وخلال العقد المقبل لن يكون الفارق بين الولايات المتحدة ومنافسيها في الخارج وإنما بين دارسي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ومن لم يدرسوها.

11