الرياض-أنقرة: الخصومة المصرية والمنافسة السورية

الجمعة 2014/10/10

تختلفُ الرياض مع أنقرة على النحو النقيض في مقاربة العلاقة مع الإخوان المسلمين. في متن هذا الخلاف عناصرُ التوتر المكتوم في علاقة تركيا بالسعودية. وفي هوامش هذا الخلاف تصطفُ ملفات التنابذ ومسائل التباعد. ولئن أبقت مدرستا الدبلوماسية بين البلدين الخلاف في الدوائر السفلى ولم تصل إلى حدود الردح، فإن تعبيراتها تظهر بحدّة في موقف النظامين من التطور المصري بقيادة عبدالفتاح السيسي.

حمل الرئيسُ التركي رجب طيّب أردوغان حنقه ضد مصر إلى نيويورك. وقف على منبر المنظمة الأممية يحملُ على من “صادر الديمقراطية”. غضبت مصر وظهر أن طريق القاهرة-أنقرة ما زالت ملغمة تمنع تطبيعاً بين العاصمتين. خسرت تركيا-أردوغان رهانها الكبير على الإخوان المسلمين في المنطقة. أطاحت “السيسية” بأحلام أنقرة في إطلالة عثمانية على ميْدان العرب، حيث خُيّل أن الأرض باتت خصبةً لذلك. شكلت “نكسة” الإخوان في مصر كابحاً لاندفاع الجماعة في محاور أخرى، فتراجعت في تونس، وانهارت في اليمن، وهي قيّد التقهقر في ليبيا… إلخ.

لم تنظر السعودية يوماً بعين راضية إلى صعود حزب العدالة والتنمية في تركيا. وعلى الرغم من الطبيعة الإسلامية للنظام السعودي، فإن الرياض بقيت متحفظة في هضم صعود أنظمة ذات خلفية إسلامية، خصوصاً إذا ما جاءت إسلامية الصاعدين متأثرةً بالفكر الإخواني أو متعاطفة معه. ولم ترتح المملكة لمقاربات أردوغان وصحبه في الشرق الأوسط، سواء تعلّق الأمر بـ“استعراض” القوافل المبْحرة إلى غزة، أو بالحلف المقام بين أنقرة وباريس (ساركوزي) ودمشق والدوحة، قبل أن تصبح تلك المواقف عسيرة الهضم في سلسلة ملفات منذ اندلاع “ربيع” العرب.

حسم السعوديون خيارهم في القطع مع جماعة الإخوان المسلمين واعتبارهم تنظيماً إرهابياً. استدعى ذلك موقفا حازماً (خليجياً شبه كامل) في مباركة الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في مصر، ودعم النظام الجديد بكافة وسائل الدعم المتاحة. عند ذلك الاستحقاق طفا الخلاف السعودي التركي واضحاً جلياً، وبات الميدان المصري ساحةً تنعكسُ داخلها الحربُ الصامتة بين أنقرة والرياض.

وإذا كانت مقاربةُ العلاقة مع نظام السيسي موضعَ تناقض بين الدولتين، فإن الرياض وأنقرة متفقتان على إزاحة نظام بشار الأسد في سوريا. والمفارقة أن تعاوناً سُجلّ بين العاصمتين في الورش الناشطة لتقويض نظام دمشق، ذلك أن الأراضي التركية وفّرت خلفية حاضنةً للمعارضة السورية، بما في ذلك اتصالها مع الجهات السعودية (قيل عن غرف عمليات سعودية في تركيا أغلقتها سلطات أنقرة لاحقاً) لتلقي الدعم وتنسيق الجهود. وكثيرا ما تقاطعت الجهود السعودية التركية لصالح جماعات وتنظيمات وقطاعات من المعارضة. صحيح أن وجهات الدعم التركي والسعودي (والقطري) قد تختلف وفق أجندات كل دولة، لكن التعاون والتنسيق حظي بمستوى مقبول، مقارنة بما يشبه القطيعة في ما يتناول الشأن المصري.

تشتبه مصادرُ أمنيةٌ متخصصة في أن تناقض الرياض وأنقرة من جهة مع دمشق-الأسد، وبغداد- المالكي من جهة ثانية، أتاح المساهمة بشكل مباشر، أو غير مباشر، في تعملق ظاهرة داعش. في هذا الصدد أيضاً، انصبّت اتهامات دمشق وبغداد على أنقرة والرياض في الوقوف وراء أبوبكر البغدادي وصحبه، على نحو أُريد منه تحميل العاصمتين مسؤولية الوقوف وراء التطرّف السنيّ ضد الشيعية السياسية بزعامة طهران. صحيح أن التناقض السعودي الإيراني حاد الطابع إذا ما قورن بالـ”تعاون” التركي الإيراني، وصحيح أن ميادين التناتش في سوريا والعراق ولبنان واليمن والبحرين تُعتبر معارك نفوذ بين الرياض وطهران، بيْد أن السياسة التركية في الشرق الأوسط لاشك تحتكُّ بخبث بتلك “الإيرانية” في نفس المنطقة.

تَجمعُ استفاقة باراك أوباما، في إعلان الحرب ضد داعش، تركيا والسعودية في خندق واحد ضد الإرهاب. انطلقت تلك الحرب إقليمياً من جدة بالسعودية. وقّع الحاضرون وثيقةَ الانضمام إلى الحلف الدولي إلا تركيا. قالت أنقرة أن أمرَ ذلك يُحرجها بينما 48 من مواطنيها رهائن في يد داعش. فُك أسر الرهائن وفق لغز دبلوماسي غامض، وخرج أردوغان من لقاء مع أوباما معلناً انضمام بلاده إلى الورشة الدولية ضد الإرهاب.

لم تجارِ الرياض رياح البيت الأبيض الجديدة ضد داعش إلا بعد أن وافقت واشنطن على شروط الرياض، أحد تلك الشروط: إزاحة نظام الأسد. وتلكّأت أنقرة في الالتحاق بقطار الحلف الدولي حتى استجابت واشنطن لسلسلة من الشروط، أحد تلك الشروط: إزاحة نظام الأسد.

يُجمعُ الخبراء أن الحرب الجوية ضد داعش، على شراستها، لن تتمكن من القضاء على الجماعات الجهادية في العراق وسوريا. وإذا ما كانت واشنطن تعوّل بصعوبة على الجيش العراقي والبيشمركة الكردية في العراق، فإنها تعوّل بصبيانية على ميليشيات المعارضة، بعد أن يتمَّ تدريبُها وتسليحها والتأكد من حسن نواياها، ما يجعل مناورات الحركة عند داعش أكثر دينامية في سوريا، على ما تُفرج الأيام كل يوم، لاسيما في المناطق الكردية السورية المحاذية للحدود مع تركيا (عين العرب-كوباني أبرزها).

الجانب البري للحرب أساسيٌ مفصلي لابد منه إلى درجة أن مصادرَ أميركية بريطانية بدأت تلمّح أن خيار إرسال قوات برية إلى أرض المعركة سيصبحُ في لحظة ما إلزامياً.

تشاركُ السعودية مع دول عربية أخرى في الحرب الجوية التي لن تحسم المعركة ضد داعش. وسيحسمُ الصراع من يمتلك زمام المبادرة البرية. سيُطل على ترتيب البيت والسوري من يمتلك الأرض ويسيطر على مفاصلها. وحدها تركيا، من بين دول الحلف ضد الإرهاب، من بدأت تطالب بتدابير حاسمة كإقامة منطقة عازلة، أو منطقة حظر طيران. ووحدها تركيا من انتزعت من برلمانها قرارا بالتدخل البري. ووحدها تركيا من يمكن أن تحصدَ غلال الحرب (كما نكساتها) في حال فرضها أمراً واقعاً جديداً على الأرض. أمر كهذا لابد أن الرياض ستقاومه، وتعرقل أن تأتي التسوية السورية تركية الهوى.

يخرجُ أوباما قبل أشهر بمعادلته الشهيرة: لن نكون غطاءً جويا لميليشيات شيعية وكردية في العراق. وربما في الرياض، كما في عواصم الحلف الأخرى من سيقول: لن نكون غطاء جوياً لتقدم الجيش التركي إلى الداخل السوري. ولا ريب أن تلك المعادلة ستعجّل بتدخل بري، قد يأخذ أشكالاً متعددة الجنسيات، لا يترك لتركيا احتكار الميدان، على النحو الذي لن يسمح لأنقرة أن تربح في دمشق ما خسرته في القاهرة.


صحافي وكاتب سياسي لبناني

9