الرياض تبدأ تحولا جذريا في سياساتها الاقتصادية

أكد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز أمس ما تداولته التقارير منذ أشهر عن عزم الرياض إجراء تحولات كبيرة في سياساتها الاقتصادية لمواجهة تداعيات انخفاض أسعار النفط، في وقت تتجه فيه موازنة البلاد لتسجيل أكبر عجز في تاريخها خلال العام الحالي.
الخميس 2015/12/24
مستقبل مشاريع البنية التحتية لا يزال غامضا

الرياض – أكد العاهل السعودي أمس في خطاب كانت تترقبه الأوساط الاقتصادية منذ فترة طويلة أن السعودية تعتزم ترشيد الإنفاق و”رفع كفاءة الإنفاق الحكومي والاستفادة من الموارد الاقتصادية لزيادة عوائد الاستثمارات الحكومية”.

وأوضح أن خطة التنمية العاشرة التي بدأت هذا العام “ترمي إلى رفع مستوى الناتج المحلي، وترسيخ دعائم التنمية الاقتصادية الشاملة وتنمية القوى البشرية ورفع معدلات توظيفها، وزيادة الإنفاق على البنية التحتية”.

وقال العاهل السعودي إن بلاده تعتزم تنويع مصادر الدخل لمواجهة انخفاض أسعار النفط، مؤكدا في الوقت نفسه أن هذا التراجع لن يؤثر على اقتصاد البلاد.

وذكر أن الرياض “حريصة على تنفيذ برامج تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط مصدرا رئيسا للدخل، ورؤيتنا في الإصلاح الاقتصادي ترتكز على رفع كفاءة الإنفاق الحكومي، والاستفادة من الموارد الاقتصادية وزيادة عوائد الاستثمارات الحكومية”.

وأضاف “لقد وجهنا مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية بوضع الخطط والسياسات والبرامج اللازمة لذلك”، في إشارة إلى المجلس الذي تشكل قبل أشهر برئاسة ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وأكد أن الأسعار المرتفعة للنفط خلال الأعوام الماضية أدت إلى تدفق إيرادات مالية كبيرة، حرصت على استثمارها وهو ما مكنها من “تجاوز تداعيات انخفاض أسعار النفط، بما لا يؤثر على استمرار مسيرة البناء وتنفيذ خطط التنمية ومشروعاتها”.

خالد السويلم: الحكومة تجري مراجعة للسياسة الاقتصادية لوضع هيكل جديد لإدارة الاقتصاد

وأعرب عن ثقته بأن يواصل الاقتصاد السعودي “نموه الحقيقي على الرغم من التقلبات الاقتصادية الدولية وانخفاض أسعار النفـط”. وتوفر عائدات النفط أكثر من 90 بالمئة من إيرادات السعودية.

ويرجح صندوق النقد الدولي أن يرتفع العجز في الموازنة السعودية للعام المقبل، التي ينتظر إعلانها خلال أيام، إلى 130 مليار دولار. وكانت موازنة العام الماضي قد سجلت عجزا قدره 17.5 مليارا، وهو الثاني منذ 2002.

ومن المتوقع أن تسجل موازنة العام الحالي عجزا يتجاوز 100 مليار دولار، بسبب الانخفاض الحاد في أسعار النفط . وتواجه السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم ضغوطا على المالية العامة هذا العام نتيجة هبوط أسعار النفط.

وعمدت السعودية التي تنتج نحو 10.4 مليون برميل من النفط، إلى سحب جانب من احتياطها بالعملات الأجنبية، وإصدار سندات خزينة لتغطية العجز في الموازنة. وفي أكتوبر الماضي سجل احتياط العملات الأجنبية انخفاضا من 732 مليار دولار إلى 644 مليارا.

وقال الملك سلمان إن الاقتصاد السعودي واصل نموه الحقيقي رغم التقلبات الاقتصادية. وأكد أن بلاده تهتم باستقرار سوق النفط وتنتهج سياسة متوازنة تحمي مصالح الأجيال الحاضرة والقادمة، وأنها ملتزمة بمواصلة عمليات الاستكشاف في قطاعي النفط والغاز والموارد الطبيعية.

واضطرت الحكومة إلى تسييل أصول خارجية تتجاوز قيمتها 90 مليار دولار على مدى الاثني عشر شهرا الماضية لسداد التزاماتها ومن المتوقع أن تتجه السلطات إلى ترشيد الإنفاق الحكومي خلال المرحلة المقبلة.

وأكد العاهل السعودي أن الرياض حريصة على “تكوين بيئة جاذبة للعمل والاستثمار للشركات الوطنية والأجنبية وتبسيط الإجراءات وتسهيل الاستثمار في السوق السعودية”.

ولم تحدد الكلمة الإجراءات والبرامج التي ستتبناها الرياض من أجل تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط الذي يقدر صندوق النقد الدولي أنه سيمثل نحو 80 بالمئة من إيرادات هذا العام.

صندوق النقد الدولي يتوقع ارتفاع عجز الموازنة السعودية إلى 130 مليار دولار في العام المقبل

وكانت مؤسسة ماكينزي أند كو، إحدى الجهات الاستشارية التي تستعين بها الحكومة السعودية، قد قالت في تقرير صدر الشهر الماضي، إن بإمكان السعودية مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي وخلق وظائف لستة ملايين سعودي بحلول العام 2030 إذا تمكنت من تحقيق تحول يركز بصورة رئيسية على الإنتاجية والاستثمارات.

وخلال الأسبوع الماضي قالت مصادر لرويترز إن الأمير محمد بن سلمان، وضع الإطار العام لخطة تستهدف إعادة تشكيل اقتصاد البلاد لمواجهة هبوط أسعار النفط فيما سيكون أكبر تغيير للسياسة الاقتصادية للمملكة منذ آخر مرة تضرر فيها اقتصادها جراء نزول أسعار الخام قبل نحو عشر سنوات.

ومن المتوقع الإعلان عن خطة “التحول الوطني” خلال الأسابيع القليلة المقبلة وعلى الأرجح في يناير. وتشمل الخطة إصلاحات تتعلق بالإنفاق الحكومي وخصخصة جهات حكومية في أكبر مصدر للنفط في العالم من أجل تحفيز النمو وخلق وظائف وخفض العبء المالي على القطاع العام.

وكان خالد السويلم عضو مركز بيلفر التابع لمعهد كينيدي في جامعة هارفارد الأميركية إن "الحكومة تجري مراجعة استراتيجية للسياسة الاقتصادية لوضع هيكل جديد لإدارة الاقتصاد."

ويتوقع المراقيون أن تعلن الحكومة السعودية عن برنامج واسع لخفض الإنفاق وزيادة الإيرادات من مصادر جديدة، بالتزامن مع الإعلان الوشيك لموازنة العام المقبل، في إطار استراتيجية تسعى من خلالها للتعايش مع واقع أسعار النفط، التي ترجح المؤشرات أن تبقى متدنية لفترة طويلة.

11