الرياض تتنفس بمنتزهاتها الخاصة والعامة

العشرات من الحدائق العامة تنتشر في مدينة الرياض وتحظى بحماية خاصة كونها المنتزه المفضّل للعائلات حيث يجد الصغار مكانا فسيحا وآمنا للعب فيه.
الخميس 2020/03/12
إبداع في هندسة الطبيعة

تحتاج كل المدن التي غزتها السيارات وما تخلّفه من تلوث إلى الرئة التي نتنفس بها، وإلى فضاءات يلعب فيها الأطفال وتتنزه فيها العائلات، لذلك انتشرت في العاصمة السعودية حدائق عامة، كما اهتم السعوديون بإنشاء حدائق وواحات خاصة يلوذون إليها في العطل والمناسبات وفي أيام الحر.

الرياض- إذا نظرت من نافذة الطائرة لتتعرّف على معالم العاصمة السعودية، ستطالعك مناظر لضباب خفيف جاف بنّي اللون يلفّ أحياءها، وهو مشهد يعطيك فكرة عمّا يعنيه وجود الكثير من الحدائق وتوفّر إمدادات كبيرة من المياه لسكان الرياض.

ويقيم سكان الرياض البالغ عددهم ثمانية ملايين نسمة في قلب شبه الجزيرة العربية المحاطة بالصحاري من كل جانب، ونادرا ما يهطل المطر في هذا المكان مقارنة بأي موقع آخر في العالم، وفي فصل الصيف يمكن أن تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة مئوية، ومن هنا فلا يثير الدهشة أن يتطلع الناس إلى الظل والماء.

وتنتشر في مدينة الرياض العشرات من الحدائق العامة التي تحظى بالحماية خاصة، كونها المنتزه المفضّل للعائلات، حيث يجد الصغار مكانا فسيحا وآمنا للعب فيه مع وجود أولياء أمورهم.

وهذه الحدائق توجد في كل أحياء الرياض، والتي يشغل بعضها مساحة كبيرة وتقام فيها بعض المناسبات العامة، وتزدحم هذه المتنزهات في أشهر الصيف والربيع، حيث يبحث الجميع عن نسمة الهواء العليل وسط الخضرة والأشجار الوفيرة.

ولإعطاء العاصمة السعودية لمسة من الخضرة، يسعى المواطنون إلى إقامة الحدائق والمتنزهات، وفي هذا السياق تنفّذ شركة “بوديكر” الألمانية المتخصصة في معمار المناظر الطبيعية ومقرّها برلين، مشروعات لإقامة الكثير من هذه الحدائق.

حدائق لا تشبه الصحراء
حدائق لا تشبه الصحراء

ويمثّل هذه الشركة في الرياض أورليخ ريدرير، ومن بين زبائنه عدد من أثرياء البلاد إلى جانب المسؤولين بالحكومة وأمراء ووزراء ورجال أعمال، ويصفهم ريدرير بأنهم “الأشخاص القادرون على تحمّل التكلفة”. والحدائق التي يقيمها ريدرير في الرياض لا يمكن لأحد في بلده ألمانيا أن يحلم بها.

يقول ريدرير الذي قدّم تصوّرا لإحاطة المحاور الرئيسية لمدينة الرياض بالحدائق والأشجار، إن بناء حديقة “على مساحة 15 هكتارا لا يمثّل شيئا كبيرا هنا”، وخلال الـ15 عاما الأخيرة أقام حدائق تزيد مساحة الواحدة منها عن 20 ملعبا لكرة القدم، ويضم بعضها بحيرة صغيرة، كما يحتفظ بعض الزبائن بحيوانات في حدائقهم.

ويمكن أن تبلغ تكلفة الحديقة منها بسهولة أكثر من عشرة ملايين دولار. ويعتبر أصحاب الحدائق في الغالب أن هذه المساحات الخضراء هي جزء من أماكن إقامتهم وقت العطلات، أي هي بمثابة مكان يهربون إليه بدل الإقامة في الرياض المتربة والحارة.

ويقول ريدرير “إنهم يدعون أفراد عائلاتهم والكثير من أصدقائهم إلى تمضية الوقت في هذه الحدائق”، ويضيف، أن النباتات بالمنطقة تعدّ في نظر السعوديين ذات قيمة أكبر مقارنة بما عليه الحال في أوروبا، وتؤدي وظيفة كرمز لعلوّ الوضع الاجتماعي مثلها مثل اقتناء يخت أو سيارة فارهة.

خلال الـ15 سنة الأخيرة أقيمت في الرياض حدائق تزيد مساحة الواحدة منها عن 20 ملعبا لكرة القدم، وبعضها فيه بحيرة 

وأصبح لمؤسس الشركة ريتشارد بوديكير بصمته على الرياض التي وصل إليها عام 1973، وأمضى حياته في إقامة مشروعات لجعل المدينة أكثر خضرة. وساهم بوديكر في تقديم أفكار ملهمة لتطوير المناظر الطبيعية في الرياض. كما قدّم فكرة الري والتشجير في وادي حنيفة، الذي أصبح أحد أهمّ المواقع في الرياض.

ويعتبر الحيّ الدبلوماسي الكائن غربي العاصمة أكثر مشروعاته شهرة، ونجح في إقامة علاقات وثيقة مع العائلة الحاكمة، وزادت شهرته لدرجة أن مجلة دير شبيغل الألمانية الإخبارية أطلقت عليه لقب “ريتشارد العرب” نسبة إلى الفيلم الشهير الذي يحمل اسم “لورانس العرب”، وبعد وفاته عام 2019 تم إطلاق اسمه على متنزه عام في حيّ السفارات.

ويقول ريدرير، إن “بوديكير كان لديه بُعد نظر حقيقي وكان صديقا شخصيا للكثير من الشخصيات البارزة في السعودية، ودرس ريدرير مع ابن بوديكير الذي يدير الآن شركة معمار المناظر الطبيعية”.

ويحب ريدرير المشروعات الابتكارية التي يتاح له تنفيذها في المملكة العربية السعودية، يقول “إنه بإمكانك أن تنفّذ أشياء رائعة ومجنونة في بعض الأماكن، ولكن هنا يمكنك أن تنفّذها بشكل أفضل”.

بُعد نظر
بُعد نظر

وأقام ريدرير شلالا بارتفاع 30 مترا وصمّم عددا لا يحصر من أحواض السباحة، ويقول إن الناس في السعودية يشعرون بالإعجاب والحماس أيضا إزاء هذه المشروعات. غير أن مسألة إمدادات المياه تمثّل مشكلة متزايدة، حيث أن أنواع الواحات التي ابتكرها ريدرير تحتاج إلى الكثير من الماء.

ولا تتمتع السعودية بأي أنهار أو بحيرات، وبالتالي تعتمد على تجميع المياه الجوفية أو تحلية مياه البحر، وهي عملية تحتاج إلى طاقة كثيفة. وتعدّ معدلات استهلاك المياه الجوفية في السعودية هي الأعلى في العالم، وذلك وفقا لما تقوله داليا سامرا روته التي ترأس الغرفة الألمانية للتجارة الخارجية.

ويشير تقرير للبنك الدولي إلى أن قطاعيْ الزراعة والصناعة بالسعودية يستهلكان حاليا كميات من المياه تفوق ما يمكن تعويضه وتجديده، وفي عام 2018 جاءت ما نسبته 70 في المئة من المياه المستخدمة في السعودية من مصادر غير دائمة. وفي هذا الصدد نقل الموقع الإخباري “سعودي غازيت” وثيق الصلة بالحكومة السعودية عن خبير بجامعة الملك فيصل قوله، إن المياه الجوفية بالبلاد ستنضب في غضون الأعوام الـ13 المقبلة.

ويؤكد ريدرير أن الوعي البيئي يمكن أن يزداد في السعودية، وتحاول شركته أن تستخدم مياها متجددة، وهو ينصح عملاءه بعدم زراعة النخيل لأنه يستهلك كميات كبيرة من المياه، ويقول ريدرير إنه بشكل عام فإن الناس في السعودية أصبحوا أكثر وعيا بالقضايا البيئية.

وتتفق سمارا روته مع هذا الرأي وتقول “إن الأمور تتحسن، وهم يسيرون على الطريق الصواب، وأدركت السعودية أن هناك ضرورة للقيام بعمل للحفاظ على البيئة وتوفير المياه”، ولا تزال توجد سبل هنا كما هو الحال في أماكن أخرى لإيجاد حلول.

20