الرياض تتوجه إلى جنوب آسيا ردا على "التقارب" الأميركي الإيراني

الأربعاء 2014/08/06
الأمير سلمان بن عبدالعزيز في استقبال نائب رئيس الهند محمد حامد أنصاري (فبراير 2014)

لندن - التغيرات الحاصلة في المجال الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، في السنوات القليلة الماضية، دفعت المملكة العربية السعودية إلى انتهاج استراتيجية منفتحة أكثر نحو الجنوب الآسيويّ تسمح لها بحفظ مصالحها في المنطقة وصيانة أمنها الإقليمي.

تتحدث دراسة صدرت عن مجلس العلاقات الخارجية (مركز أبحاث أميركي مستقل) عن الاستراتيجية الجديدة للمملكة العربية السعودية في جنوب آسيا، وهي استراتيجية تعود دوافعها إلى هواجس أمنية قديمة وإلى التنافس مع إيران خاصة.

وتتلخص هذه الاستراتيجية بالأساس في توطيد العلاقات مع الهند بهدف إبعاد نيودلهي عن عقد شراكة وثيقة مع طهران، إلى جانب إنعاش العلاقات مع باكستان لمواجهة طموحات إيران الإقليمية والنووية، كما أنّها تفرض على الفاعلين الدوليين، وخاصّة الولايات المتحدة الأميركية، التفطن إلى جلّ أبعادها وتعديل البوصلة عليها حفظا لمصالحها في المنطقة قبل فوات الآوان.

ويشدّد معدّ الدراسة، الباحث دانيال ماركي، على ضرورة استغلال واشنطن، إن كانت ذكية ومحظوظة بما فيه الكفاية، لتحركات الرياض مع إسلام آباد ونيودلهي لفائدة الولايات المتحدة.

ويجادل معدّ الدراسة الباحث دانيال ماركي بأنه إن كانت واشنطن ذكية ومحظوظة بما فيه الكفاية يمكن استغلال تحركات الرياض مع إسلام آباد ونيودلهي لفـائدة الولايــات المتحدة.

على الرغم من المصاريف العسكرية الهائلة، مافتئت المملكة العربية السعودية تتصارع مع مخاوف أمنية محلية وإقليمية.

ونظرا لهذه التحديات السياسية، أثارت أحداث ما سمي بـ“الربيع العربي” لسنة 2011 مخاوف سعودية جديدة حول زعزعة الأمن الداخلي والفوضى الإقليمية. وقد نزع القادة السعوديون إلى قراءة الانتفاضات السياسية الأخيرة في إطار التنافس الإقليمي الأوسع مع إيران. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا التنافس مع إيران مافتئ يدفع إلى تطوير الدبلوماسية والسياسة الدفاعية السعوديّتين على مدى عقود من الزمن، ولا توجد إشارات جدية إلى حدّ اللّحظة بفتور هذا التنافس.

تراجعت إيران في سنة 2013 إلى المرتبة السابعة على قائمة أكبر مزودي النفط للهند بعد أن كانت في المرتبة الثالثة

وفي ذات السياق، تزيد الطموحات النووية الإيرانيّة من تفاقم هذه المخاوف، فحتى الموجة الأخيرة من المفاوضات متعددة الأطراف مع طهران بزعامة الولايات المتحدة لم تنجح في طمأنة الرياض وجعلها تشعر بالثقة، فهي ترى أنّ إيران قد تستخدم المحادثات للتخلص من العقوبات الدولية وتوسيع نفوذها دون التخلي نهائيا عن أسلحتها النووية أو صواريخها البالستية.

من جهة أخرى، فإنّ الخلافات الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة حول ما سمّي بـ“الربيع العربي” والمفاوضات النووية الإيرانية، جاءت في إطار التردي التدريجي لعلاقات الرياض مع واشنطن. وقد بدأ هذا التردي مع الحروب الأميركية على العراق. فضلا عن ذلك، فهناك أسباب أخرى تدعو إلى توقع تراجع الروابط السعودية الأميركية، ومن أهمها أنّ الواردات الأميركية لمواد الطاقة السعودية لن تبقى من تحصيل الحاصل كما كانت في السابق، وذلك بفضل التقدم التكنولوجي في استخراج الغاز الصخري في الولايات المتحدة وتحسّن النجاعة الطاقية ممّا سيُتيح للولايات المتحدة أن تكون مُصدّرا لمواد الطاقة في المستقبل، وهكذا لن تمثّل مبيعات مواد الطاقة ثقلا تجاريا مهما لتوازن العلاقات الثنائية السعودية الأميركية مثلما كانت في السابق.

وبالنظر إلى جملة هذه الهواجس، وفي تحرك منها للتأقلم مع بيئة استراتيجية تزداد صعوبة، بدأت الرياض في تنويع علاقاتها التجارية والاستراتيجية، كما أنّها أضحت تُفكّر في أمنها في إطار التركيز على آسيا بدلا من الولايات المتحدة. وبدت هذه التغيرات في النظرة الاستراتيجية السعودية تتجلّى شيئا فشيئا خاصّة في علاقة بمنطقة جنوب آسيا.

محاولة واشنطن إقناع السعوديين بالتخلي عن فكرة اقتناء الأسلحة النووية من باكستان مضيعة للوقت

لعبة استراتيجية جديدة مع نيودلهي


مع حلول فترة ما بعد الحرب الباردة أصبحت المملكة العربية السعودية تولي اهتماما لعلاقاتها بالهند، نظرا لكونها تمثل سوقا متنامية للطاقة وفاعلا إقليميا قويا وكذلك شريكا استراتيجيا. والأهم من ذلك كلّه، أنه في بداية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين لاحظت السعودية تقاربا قائما بين الهند وإيران، وهو أمر مقلق بالنسبة إليها، وقد تجلى ذاك التقارب في الاتفاق على تعاون اقتصادي وعسكري وتبادل للزيارات الرسمية على أعلى مستوى بين البلدين.

في ظلّ هذه التطوّرات، لم تقف السعودية مكتوفة الأيدي، خاصّة أنّ لها أوراقا مهمة يمكن لها أن تلعبها، لعلّ أبرزها مكانتها بوصفها المصدر الأول للواردات النفطية الهنديّة. وفي هذا الإطار تنزّلت زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى نيودلهي سنة 2006، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها ملك سعودي للهند منذ سنة 1955.

وقد تعهّد الجانبان خلال هذه الزيارة بتوسيع التجارة بينهما وتحسين التعاون لمكافحة الإرهاب. وفي سنة 2010 ردّ رئيس الوزراء الهندي، في ذلك الوقت، منموهن سينغ، بزيارة قام بها إلى الرياض، وأعلن خلالها الطرفان نفسيهما “شريكين استراتيجيّين”، ومهّدا الطريق لمعاهدة تعاون عسكري عقدت في شهر فبراير 2014.

هذا التقارب بين السعودية والهند، وثقة هذه الأخيرة في الحصول على الإمدادات النفطية من الرياض، أدّيا إلى تناقص الاعتماد على النفط الإيراني، حيث أصبحت إيران في سنة 2013 تحتل المرتبة السابعة على قائمة أكبر مزودي النفط للهند بعد أن كانت في المرتبة الثالثة. لكن هذا لا يعني أنّ الهند أصبحت مساندا رسميا للأجندة السعودية، إذ تبقى نيودلهي قلقة من التاريخ الطويل للعلاقات “الوثيقة” بين الرياض والمؤسسة الأمنية الباكستانية.

من جهة أخرى، كانت العلاقات السعودية مع باكستان وطيدة على مدى عقود، وتتجلّى خاصّة في الدعم العسكري الذي تقدّمه باكستان إلى الرياض عبر توفير مدربين عسكريّين وجنود من أجل تحفيز الدفاعات الداخلية والخارجية للمملكة، في المقابل قدم السعوديون للباكستانيين مساعدات مالية سنوية مهمّة، كما وفّروا لهم كميات من النفط خاصّة لمجابهة العقوبات الدولية التي فرضت على باكستان إثر تجاربها النووية سنة 1998.

لعب السعوديون دورا سياسيا مؤثرا في إسلام آباد على مدى كل تلك العقود، ولعل أبرز تجسيد لذلك التأثير هو استعداد الرياض لاستضافة رئيس الوزراء المنفي نواز شريف أثناء حكم الجنرال برويز مشرف إضافة الى تمويل عودته الى باكستان أثناء الحملة البرلمانية الوطنية لسنتي 2007-2008 . فضلا عن ذلك تنتشر شائعات تفيد بأنّ نخبة من الزعماء الباكستانيين، من كل الطيف السياسي، يتلقون هبات من المملكة السعودية.

الرياض تسعى للحصول على السلاح النووي من باكستان من أجل خلق توازن في المنطقة متى توصلت إيران إلى امتلاك هذا السلاح

هذا، ولم تفتر العلاقات بين العربية السعودية وباكستان إلا في فترة ولاية الرئيس آصيف علي زرداري من سنة 2008 إلى سنة 2013، حيث انقطعت الزيارات الرسمية (على المستوى العالي) وكذلك توقفت المساعدات المالية السخية. لكن بقدوم رئيس الوزراء الحالي نواز شريف استؤنفت العلاقات كما كانت سابقا، وصرح الزعماء الباكستانيون أنهم تلقوا هبة بمليار ونصف مليار دولار من دولة صديقة، هي المملكة العربية السعودية من دون شك.

ويندرج اهتمام السعودية بعلاقاتها مع باكستان في إطار منافستها مع إيران ومحاولتها الحد من التقارب الإيراني الباكستاني وخاصّة لتعطيل مشروع أنبوب الغاز الذي تنوي إيران مدّه لتزويد الهند بالغاز مرورا بباكستان. إضافة إلى ذلك يعتقد أنّ المملكة تحاول الحصول على السلاح النووي من باكستان من أجل خلق توازن مع إيران إذا توصلت هذه الأخيرة إلى تطوير هذا السلاح. ونظرا لعامل الوقت والتكاليف يتوقع المحلّلُون أنّ طريقة حصول المملكة على السلاح النووي ستكون عبر عملية نقلها جاهزة من باكستان، لكن تبقى تفاصيل العملية مفتوحة لمزيد التخمينات نظرا للقيود المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية.


النتائج المترتبة عن الاستراتيجية


على الرغم من أنّ أرض المعركة الأساسية في التنافس السعودي الإيراني تبقى منطقة الشرق الأوسط، إلاّ أنّه من الضروري أخذ علاقات السعودية مع الهند وباكستان بعين الاعتبار، عند محاولة فهم الخيارات الجيوسياسية السعودية في الحاضر والمستقبل. فمن ناحية ستكون الحيلولة دون حدوث تقارب شديد بين نيودلهي وطهران أمرا حاسما، خاصّة وأنّ الهند في طريقها إلى أن تتحول إلى قوة عالمية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، ومن ناحية أخرى سيكون استخدام باكستان كدرع لتهديدات إيران –عبر الوكلاء الإرهابيين والأسلحة النووية– أكثر أهمية بالنسبة إلى الرياض.

وبالإضافة إلى كلّ ذلك فقد نجحت الرياض في إيجاد طرق أخرى لاستغلال علاقاتها مع جنوب آسيا، سواء بشراء أسلحة باكستانية الصّنع للمعارضة السوريين أو ضمان تصويت الهند ضدّ إيران في وكالة الطاقة الذرية أو سدّ ثغرات محتملة في نظام العقوبات ضد إيران.

تراجعت إيران في سنة 2013 إلى المرتبة السابعة على قائمة أكبر مزودي النفط للهند بعد أن كانت في المرتبة الثالثة

وستستمر الرياض في امتلاك أدوات تأثير مهمة سواء في نيودلهي أو إسلام آباد بفضل ثروتها ومواردها الطاقية، ووضعها كمضيفة لعدد هائل من العمال القادمين من جنوب آسيا، والذين يرسلون مجتمعين مليارات الدولارات إلى بلدانهم.

وفي سياق آخر، ولأنّ السياسة الأمنية السعودية تقيّم من زاوية نظر جنوب آسيوية بكيفية آدائها في سياق الصراع الهندي الباكستاني، فإنّ هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى التفاؤل بقدرة المملكة العربية السعودية على لعب دور يعزز هذا الاستقرار، فعلى سبيل المثال كان تعاون الرياض مع نيودلهي في مجال مكافحة الإرهاب ناجعا، فقد كان القبض على زعيم تنظيم “لشكر طيبة”، سعيد زابيو الدين أنصاري، مجرد بداية وتبقى لدى المملكة أوراق أخرى (تتمثّل في مراقبة الشبكات المالية وتقييد السفر داخل حدودها على سبيل المثال) يمكن توجيهها ضد مجموعات مثل “شبكة حقاني” الّتي قامت بمهاجمة هنود في أفغانستان.

ومن ناحية أخرى، فقد لفتت دراسة الباحث دانيال ماركي إلى أنه إذا لم تتوخ السعودية حذرا شديدا في هذه التحركات، فقد يمكن أن تنجر عنها نتائج عكسية عن طريق تدعيم المخاوف الأمنية لدى باكستان وشعورها بالعزلة. أمّا بالنسبة إلى الهند، فإنّ المساندة السعودية غير الرّسمية للجماعات السلفية في جنوب آسيا وعلاقات الرياض العسكرية مع باكستان، سيقلقان من دون شك صانعي السياسات في نيودلهي.


المطلوب من واشنطن


في جانب من جوانبها، ادّعت الدراسة أنّ الولايات المتحدة لم تتمكن أبدا من إملاء السياسة الخارجية السعودية أو التحكم فيها، لكنّ أشارت بالمقابل إلى أن واشنطن على اتصال دبلوماسي وثيق بالقيادة السعودية، ممّا يعطي صانعي السياسات في الولايات المتحدة فرصة لتفسير أولوياتهم ومصالحهم فيما يخص جنوب آسيا.

تخلص الدراسة إلى أنّه من الواجب على صانعي السياسات الأميركيين إدراك أنّ استراتيجية الرياض الجديدة ليست إلاّ جزءا من توجُّه أكبر نحو روابط جيوسياسية جديدة وذات معنى بين مختلف الأطراف الآسيوية، تجد فيها السعودية نفسها أمام فرصة سانحة لمواجهة منافس مجاور (إيران)، وتتمكّن من خلالها من مدّ نفوذها إلى العلاقات الهندية الباكستانية. وبالنظر إلى كلّ هذه الاعتبارات والتطورات، يجب على الولايات المتحدة أن تكون في الموقع الصحيح لتؤدي دورها في كامل المنطقة الآسيوية، لكن ولكي تتمكن من ذلك، فعليها أن تقطع مع عاداتها المتأصلة في التفكير وأن تكفّ من الممارسة التي تغشي بصرها عن العلاقات الاستراتيجية الجديدة التي هي بصدد التشكل.

6