الرياض تلمح إلى إمكانية إعادة بناء العلاقات مع طهران.. لكن بشروط

السبت 2013/10/19
الأمير تركي الفيصل: نرحب بتحسين العلاقات مع إيران

لندن- قال الأمير تركي الفيصل اّل سعود في خطابه أمام اجتماع الجالية الإيرانية – الأميركية إن «تولي الخميني منصب القائد الأعلى للثورة الإيرانية، بعد قيام الثورة الإسلامية عام 1979، اعتمد في جوهره على مفهوم «ولاية الفقيه»، المبدأ الفقهي الذي بدأ في صياغة عقيدة الشيعة مع نهاية القرن التاسع عشر، والذي ينبني في هيكله الأساسي على تفريغ السلطات من محتواها المدني، وإسنادها لرجال دين وفقهاء تمّ تدريبهم في مدارس شيعية».

وأضاف الأمير، الذي شغل منصب السفير السعودي لدى أميركا، ومدير عام الاستخبارات السعودية منذ عام 1977 وحتى 2001، «عندما نجحت الثورة الإيرانية في الإطاحة بنظام الشاه، أثارت التسريبات التي كانت تخرج من بعض القيادات المحيطة بالخميني، من أن الثورة سوف تحوّل إيران إلى قوة إسلامية كبرى، سخرية الكثيرين في بداية الأمر. بينما توقع البعض الاّخر أن هذا التغيير الراديكالي الذي حدث في طهران قد يكون سببا في عزل إيران عن المحيط الخارجي».

وأشار الأمير تركي، في الخطاب الذي ألقاه أمام مؤتمر المجلس الوطني الإيراني – الأميركي، إلى أن «الحقيقة هي أن الثورة الإيرانية أثارت ضجة هائلة في وسائل الإعلام العالمية في ذلك الوقت. ففي عام 1979 لم يصبح روح الله الخميني فقط قائدا لأمة، ولكن رجل العام والقائد الأول للعالم الإسلامي أيضا، طبقا لمجلة التايم الأميركية، وفي الوقت الذي لم تتعدّ فكرة (ولاية الفقيه) التي أسس لها الخميني حدود إيران، فإن تصريحاته وخطاباته كانت كفيلة بأن توصل رسالة إلى العالم الخارجي، يحمل فحواها كثيرا من الطموح في بلورة قيادة إسلامية جديدة، أو خلافة إسلامية شيعية المذهب».

وأوضح أن «الخميني سعى إلى الدمج بين طموحات الشاه التوسعية تحت راية إمبراطورية فارسية حديثة، وبين الإرث التاريخي والثقافي والفقهي لأسلافه في قُم. لكن كثيرا من المسلمين حول العالم بدؤوا يشعرون بالانزعاج الشديد جراء محاولات الخميني تمثيلهم والتحدث بالنيابة عنهم، وما بدا وقتها من استخفاف من قبله بالعادات وأساليب الحياة المختلفة في دول أخرى من العالم الإسلامي. هؤلاء المسلمون، الذين شرعوا في ممارسة شعائرهم بطريقة متناقضة تماما مع (الشيعة الاثني عشرية)، وعاشوا، في نفس الوقت، في دول تحكمها أنظمة لم يكن أحد من قادتها يشبه الخميني في شيء، كانوا في أشد الانزعاج من ارتباط دينهم بصورة الخميني لدى العالم الخارجي، ومن مشاهدتهم محاولات الخميني لتقديم نفسه ليس فقط كقائد للإيرانيين، ولكن للعالم الإسلامي بأسره».

طموحات الخميني

تطرق الأمير تركي إلى الحديث بعد ذلك عن الحرب العراقية -الإيرانية التي بدأت في 1980 واستمرت لثمانية أعوام، وقال «في عام 1980، عندما بدأ الصراع السياسي يتخطى كل الحسابات الإقليمية، في أعقاب عودة الخميني إلى طهران، قرر الرئيس العراقي صدام حسين المضي قدما في محاولته الفاشلة للإطاحة بالخميني.

وعلى مدار عامين من الصراع، وحتى بعد أن وجدت القوات العراقية نفسها مجبرة على التراجع إلى داخل العراق مرة أخرى، لم تتقدم الدول الخليجية لتقديم الدعم لصدام، إلا عندما قرر الخميني الانتقام، ونفّذ هجومه المضاد العنيف الذي اتحد جميع المواطنين العراقيين -سنتهم وشيعتهم- لصده، عندها تدخلنا لأننا كنا نرى أن الخميني أيضا أخطأ بالانتقام من الشعب العراقي».

وأوضح: «اليوم، نستطيع أن نقول إن إيران أبعد ما يكون عن الحضارة والتقدم الذي كانت عليه طوال تاريخها، فلم تعد الشهرة العالمية التي تمتعت بها من قبل أو حتى الدين، الذي كان يطمح إليه الخميني، هما ما تشتهر به البلاد، بقدر العزلة التي أصبحت العلامة المميزة لها. وعلى النقيض من الفنانين (السسانيين) الذين جابوا بلدان العالم بطولها وعرضها، وعلماء العصر الإسلامي الذهبي الذين أتقنوا لغات الدنيا، فإن العديد من الفنانين الإيرانيين المعروفين اليوم يجدون صعوبات جمة حتى في ركوب الطائرة والتوجه إلى إحدى الدول للمشاركة في حدث ما».

وأكد الأمير تركي أنه «في الحقيقة فإن طموحات الخميني الإمبراطورية تمكنت بالفعل من استعادة هوية إيران الدينية والفقهية، ولكنها وضعتها في الوقت نفسه في حيز وجودي بالغ الضيق. فالعلاقات بين إيران وجيرانها من الدول الإسلامية أصبحت محدودة للغاية، وتسيطر عليها العدائية أحيانا كثيرة».

وأضاف «بعد وفاة الخميني قرر قادة إيران اتخاذ خطوات فاعلة نحو تطوير برنامج إيراني نووي، وهي الخطوة التي يمكن النظر إليها على أنها فاصلة في تدمير العلاقات الإيرانية مع المجتمع الدولي بأسره. بالإضافة إلى الدعايا والتصريحات التي تخرج من قادة النظام هناك، والتي تسببت في تقويض التواصل حتى مع الدول المجاورة، وأجبرت الإيرانيين على الانغلاق على أنفسهم، والانعزال عن العالم الخارجي. ومازال قادة السلطات الدينية اليوم في إيران يتصرفون وكأنهم يقودون العالم الإسلامي بأسره، من خلال إصدار التحذيرات، وتخويف دول مجاورة لهم، والتصعيد من ممارساتهم في التحريض على الانشقاقات والثورة».

سياسة حافة الهاوية

ركّز الأمير تركي حديثه عن الملف النووي الإيراني، وأشار إلى أنه لا جدال على أن إيران تمتلك الحق في تطوير برنامج نووي للأغراض السلمية، «لكن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية، والمضي قدما في تشييد المنشآت السرية لا يخدم مصالح الدولة ولا الإيرانيين. فجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وليس الغرب وحده، تريد أن يوقع مجلس الأمن عقوبات رادعة على طهران. فإذا كان القادة الإيرانيون يريدون تخطي هذه المعضلة الدولية، فإن عليهم انتهاج السياسة التي وضعها الشاه عام 1974 في سعيه للتوقيع على معاهدة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وهي السياسة التي من شأنها أن توفر الأرضية المشتركة لكل اللاعبين الفاعلين على الساحة الإقليمية». وسبق أن ألمح الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للاستخبارات السعودية إلى احتمال أن تسعى المملكة لامتلاك أسلحة نووية نظرا لفشل العالم في إقناع إسرائيل وإيران بالتخلي عنها.

وربط إيران، في عهد الشاه، علاقات جيّدة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج عموما، لكن تغير الأمر إثر ثورة الخميني، وسادت فترة من التنافس بين الدولتين، شهدت خلالها العلاقات مدّا وجزرا وفق سياسة الرؤساء الإيرانيين الذين تعاقبوا على السلطة منذ ثورة الخميني وصولا إلى حسن روحاني.

وأوضح الأمير تركي الفيصل في خطابه أن على الإيرانيين أن يشعروا بالفخر تجاه حضارتهم وتاريخهم الطويل، الذي يحظى أيضا بالاحترام والإعزاز من قبل كل عربي «لكن في الوقت نفسه يجب أن يتفهم الإيرانيون أن هذا التراث الفارسي الغزير بني على قواعد راسخة من التعاون بين الإيرانيين وشركائهم من العرب والأوروبيين والأفريقيين والآسيويين، من خلال التبادل المعرفي والتجاري والروحي بين هذه الأطراف. لكن المحاولات التي نشهدها اليوم من قبل القادة الإيرانيين الحاليين من تقسيم ممنهج للعالم الإسلامي على أسس وادعاءات القيادة التي لا تتفق مع الواقع الراهن، ومحاولات الضغط على البحرين وتوجيه اتهامات لها بعيدا عن الواقع، ورفض كل الحلول العقلانية المطروحة لإنهاء النزاع حول الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران، لن تتمكن من ترميم الإمبراطورية الإيرانية، ولكنها فقط ستعود بآثار سلبية عليها».

القضية السورية

تضمن خطاب الأمير تركي الحديث عن القضايا العالقة في المنطقة وعلى رأسها القضية السورية وحالة عدم الاستقرار التي يشهدها العراق قائلا «إن التدخلات الإيرانية في العراق هي السبب الرئيسي للتفجيرات اليومية التي تؤدي بحياة عشرات الأبرياء من العراقيين. وكذلك الموقف الإيراني من النزاع السوري، فعلى الرغم من إطلاق الخميني على نفسه لقب (مناصر المستضعفين)، فإن اتباعه المسيطرين على مقاليد الأمور اليوم يصرون على تقديم كل أشكال الدعم لبشار الأسد، في ارتكابه للمجازر اليومية ضدّ الأبرياء من شعبه».

وانتقد السفير السعودي لدى الأمم المتحدة عبدالله المعلمي «الدور السلبي لإيران الذي لا يؤهلها لأداء دور فعال في صنع السلام وصنع سوريا الجديدة»، داعياً طهران الى «التخلي عن دعم النظام والمجموعات المسلحة الداعمة له»، موضحا أن «دعمها «حزب الله» في لبنان تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية»، مشددا على «ضرورة أن تقرن القيادة الإيرانية الجديدة المنتخبة الأقوال بالأفعال».


انتخاب روحاني


وعرج الخطاب أيضا على انتخاب الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، وتأثيرات ذلك على سياسة إيران الخارجية، وما قد يلعبه روحاني من دور بارز في ترميم علاقة بلاده مع المجتمع الدولي.

حيث قال الأمير تركي «إن انتخاب حسن روحاني رئيسا لإيران هو فرصة جديدة للبلاد لتعديل اتجاه الأشرعة والتوجه نحو مسار جديد في المياه المضطربة في منطقة الشرق الأوسط. والتصعيد الجماهيري الذي شهده الشارع الإيراني بعد الإعلان عن نتيجة انتخابات 2009 كان إشارة بأن الأمور لم تعد كما كانت عليه من قبل، على عكس الهدوء الذي شهدته انتخابات 2013، وهو ما يجب أن يضع روحاني في موقف المبادر لإظهار حسن النوايا، قبل انتهاء فترة السماح التي يعطيها أيّ شعب لحاكمه الجديد».

واختتم خطابه بقوله «لقد أرسل الملك عبدالله بن عبد العزيز اّل سعود خطابا للرئيس روحاني عقب انتخابه متمنيا له التوفيق، وعلى الرغم من ذلك فإن الرئيس الإيراني لم يقبل دعوة الملك لحضور موسم الحج هذا العام. لكن الخطوات الأولية للرياض تشير إلى رغبتها في إعادة بناء العلاقات مع طهران مرة أخرى، وتأمل في أن تفضي جهود الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيجاد حلول للأزمة الإيرانية إلى نتائج يمكن أن تعود بموجبها إيران إلى الساحة الدولية مجددا كشريك في عملية تحقيق السلام والاستقرار».

وكان سفير إيران في لبنان، غضنفر ركن ابادي، صرّح، أن الرئيس الإيراني حسن روحاني سيقوم في أقرب وقت بزيارة المملكة العربية السعودية. وأشار إلى أن الرئيس روحاني أكد بعد الانتخابات الرئاسية أن أولوية بلاده تعزيز العلاقات مع الجيران وخصوصا البلدان الواقعة في منطقة الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وعلى هذا الأساس سيتم تبادل للزيارات بين إيران والمملكة العربية السعودية.

وفي خطوة أراد بها فتح باب للتقارب أرسل الرئيس الإيراني برقية إلى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، لتهنئة الشعب السعودي بمناسبة الذكرى الـ83 لليوم الوطني السعودي، معبرا عن تمنياته للحكومة والشعب السعودي بالعزة والازدهار. ووصف السعودية بأنها «دولة صديقة وشقيقة للجمهورية الإسلامية في المنطقة»، داعيا في تقارير صحافية نشرتها وسائل إعلام إيرانية مؤخرا، إلى رفع مستوى العلاقات بين البلدين.

فيما علّق مراقبون على ذلك بأن وعود إيران وسياستها الانفتاحية الجديدة لا يمكن الوثوق بها حتى تترجم الأقوال إلى أفعال.

7