الرياض وموسكو: البراغماتية السياسية تشكل تحالفات جديدة في الشرق الأوسط

الأربعاء 2015/06/24
تقارب الرياض وموسكو.. نذر حرب باردة ثانية تطرق الأبواب

لفهم ما طرأ على العلاقات السعودية – الروسية من تطور نجم عن الزيارة التي قام بها ولي ولي العهد السعودي لموسكو لابد من قراءة التوجهات السياسية السعودية الجديدة في ظل السياسة الأميركية المخيبة لآمال دول المنطقة في منطقة الخليج، والتي لم تنجح معها التطمينات التي حاولت إدارة أوباما أن تقدمها للقادة الخليجيين في منتجع كامب ديفيد بخصوص الاتفاق النووي مع إيران، بعد أن منحته تلك الإدارة الألوية حتى بالنسبة إلى مصالحها وعلاقاتها التاريخية مع دول الخليج العربي.

تسعى الاستراتيجية السعودية التي انتقلت إلى مرحلة مواجهة المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة بدءا من سوريا واليمن وحتى لبنان والعراق، إلى إنجاح هذه السياسة وتحقيق أهدافها، وذلك عبر الاستفادة من دعم المراكز الدولية الفاعلة في قضايا المنطقة، كبداية لتغيير سياستها القديمة التي كانت تقوم على وضع بيضها كله في سلة واحدة هي السلة الأميركية.

وهذه البراغماتية يقودها فيما يبدو الجيل الشاب من القيادة السعودية، وهي تهدف إلى الاستفادة من الدعم الروسي لها في بعض هذه القضايا والتأثير على هذا الموقف في قضايا أخرى. فبعد فشل مؤتمر جنيف بين القيادات اليمنية المتحاربة بتأثير مباشر من إيران والقوى الحليفة لها في اليمن، تحاول السعودية ألا تجعل من قيادتها للتحالف العربي ضد الميليشيات الحوثية والقوات التابعة لعلي عبدالله صالح مدخلا لتورط طويل الأمد يستنزف قوتها المادية والعسكرية، ويحول اليمن إلى بؤرة صراع مفتوحة تشكل تحديا مستمرا لها، وعاملا من عوامل عدم استقرارها، خاصة وأن تهديد تنظيم الدولة الإسلامية يزيد من حجم التحديات الداخلية التي يواجهها الأمن والاستقرار في السعودية.

وتدرك الرياض أن العلاقات الدولية تقوم على المصالح، لذلك لابد من العمل على بناء علاقات جديدة مع الاتحاد الروسي على هذا الأساس، وهذا ما تفسره الاتفاقات الهامة التي وقعت مع الجانب الروسي. وخيبة الأمل السعودية من التأثير على الموقف الأميركي قادها إلى هذا التغيير في استراتيجيتها، فالروس يمتلكون علاقات جيدة مع إيران ويمكن الاستفادة من الضغط الذي يمكن أن يمارسوه عليها، أو محاولات التقريب بين الطرفين للوصول إلى تفاهمات، تلغي حالة الفراغ السياسي في الرئاسة اللبنانية بسبب مواقف حزب الله المعطلة لانتخاب رئيس توافقي جديد.

وبوادر هذا الدور ظهرت سريعا في تصريحات الرئيس الروسي بوتين الأخيرة التي وصف بها النائب ميشيل عون بأنه رئيس غير توافقي، ما يعني أن روسيا سوف تعمل على إقناع إيران بتجاوز الفراغ الرئاسي، والتفاهم مع السعودية على مرشح بديل لعون، مرشح حزب الله.

أما بشأن اليمن فلم تظهر حتى الآن أي إشارة تدل على توجه روسي للعب دور مشابه، ربما لأن الروس يفضلون العمل بصمت على هذا الملف، نظرا إلى أهميته بالنسبة إلى الطرف الإيراني وبالتالي حاجته إلى دبلوماسية مكثفة لإقناع الطرف الإيراني بالانفتاح على السعودية، والبحث عن مخرج سياسي ينهي الصراع ويحقق الاستقرار.

البراغماتية التي يقودها الجيل الشاب من القيادة السعودية تهدف إلى الاستفادة من الدعم الروسي لها في بعض هذه القضايا

والسعودية فيما يبدو لا تمتلك أوهاما عن قدرتها على تغيير السياسة الروسية باتجاهها تماما، وبالتالي حرمان الطرف الإيراني من الدعم الروسي لها، فهي تعرف أن سياسة المصالح الدولية تقوم على الأخذ والعطاء، ولذلك تريد أن تستفيد من أي دور روسي حتى في المناطق التي تتقاطع فيها المصالح الروسية مع المصالح الإيرانية، كما هو الحال في سوريا. لذلك تعول السعودية على دور فعال أكبر في المناطق الأخرى كلبنان واليمن.

وهذا لا يعني أن الرياض لا تدرك التوجهات الحقيقية للسياسة الإيرانية في المنطقة، وحرصها على وحدة مصالحها في جميع المناطق التي استطاعت أن تتغلغل فيها، وتتحول إلى لاعب أساس فيها، ولذلك تسعى السعودية إلى أن تبدأ بحلحلة الخيوط المتشابكة والمعقدة لكرة النار المشتعلة في المنطقة، وذلك من المناطق الأقل تعقيدا والأقل أهمية بالنسبة إلى المصالح الروسية، بحيث تؤدي دورها الإيجابي في حلحلة تلك الصراعات.

ومقابل التصريحات التي أطلقها بوتين بخصوص لبنان بدت تصريحاته حيال الملف السوري تقليدية، ولم تخرج عن الموقف الروسي المألوف، لأن الإصلاح السياسي، الذي سيضغط به على بشار الأسد لتحقيقه تجاوزه الزمن كثيرا، وإن كان يتقاطع مع رؤية المعارضة السورية المصنعة أمنيا أو الطامحة إلى السلطة بأي ثمن، والمتمثلة في مجموعة مؤتمر موسكو.

والأهمية الخاصة التي تحظى بها سوريا في المشروع التوسعي الإيراني، والاختلاف الواضح في المواقف الروسية السعودية حيال تصوراتهما للحل فيها، لم تمنع السعودية من وضع ثقلها المادي والعسكري لدعم المعارضة المسلحة السورية، لأن ذلك يجب ألا يشكل عائقا أمام الانفتاح على الروس لإنجاز نجاحات في مناطق أخرى سوف تكون لها انعكاسات إيجابية على الملفات الأخرى.

لذلك من المستبعد أن يتراجع الدعم السعودي للمعارضة السورية المسلحة في المرحلة المقبلة، لا سيما وأن هذه المعارضة قد استطاعت أن تحقق نجاحات عسكرية واضحة على الأرض، بعد الدعم الذي حظيت به على إثر التفاهمات السعودية التركية القطرية الأخيرة بشأن الملف السوري. هذه النجاحات العسكرية سوف تشكل وسيلة ضغط مهمة على النظام وحليفيه الإيراني والروسي لتحقيق عملية تحول سياسي حقيقي، ينهي مرحلة حكم آل الأسد في سوريا، ولتعزيز موقفها حيال القضايا الأخرى في لبنان والعراق واليمن.

7