الريتينغ أجهزة تكشف أسرار البيوت وأسرار "باب الحارة"

السبت 2015/07/11
الريتينغ والخداع الكبير الذي يتعرض له المشاهدون وشركات الإعلانات

تتداول الصحافة الفنية في العالم كله مصطلح الريتينغ، ضمن سياق الحديث عن جماهيرية المادة التلفزيونية التي تقدمها الشبكات العارضة لها. ولعل تكرار الكلمة في سياقات الترويج الإعلاني لهذه المادة ولّد لدى الجمهور نوعاً من النشوة بها، فالنجاح يعني ريتينغ، ودون وجود ريتينغ لا نجاح ولا وجود أو لا “معنى” للمادة التلفزيونية، فكيف يحدث ذلك؟

كلمة ريتينغ (Rating) في سياقها الإعلامي تعني “حجم الجمهور المشاهِد” وفي أصل معناها اللغوي فإنها تعني “التقدير” وأيضاً “معرفة النسبة”، ما يؤدي فعلياً إلى رد الكلمة من التضخيم في المعنى المتداول راهناً إلى التحديد الإجرائي الذي تم استخدام الكلمة وفقه منذ البداية.

وبالقياس فإن معنى الكلمة لا بد سيأخذ معادلاً ينتمي لذات فضاء العملية الإنتاجية، فمعنى المادة التلفزيونية هو قيمة أرباحها التي تأتي من الإعلانات التجارية التي تسوّق ضمن عملية البث التلفزيوني.

وهكذا وضمن آلية بناء صناعة التلفزيون يكون للريتينغ دورٌ أساسي في وضع السياسة الإنتاجية، وعليه يكون المعنى العملي للريتينغ هو الأرباح التجارية الناتجة عن صناعة المادة التلفزيونية وبثها وجلبها للإعلانات التي تحقق العائد المادي.

كيف يحدث الريتينغ

تلهث الشركات الإعلانية في السوق التجاري بحثاً عن أفضل طرق الترويج للسلع، وهي تجد ضالتها في سوق الوسائل الإعلامية (ومنها التلفزيون والإذاعات والمواقع الإلكترونية) فهذه الأدوات الاتصالية تتعاطى مع شرائح واسعة من الجمهور، وكلما نجحت الوسيلة الإعلامية في جذب الجمهور إلى موادها الإعلامية، كلما حازت على نسبة أعلى من سوق الإعلانات الذي يدر عليها كلف الإنتاج والأرباح.

عمليات التزوير في النتائج تبدو ثقافة راسخة لدى الشركات الإعلانية ولدى الشبكات التلفزيونية على حد سواء، فبجرة قلم من ناقد تلفزيوني يصبح المسلسل السوري "باب الحارة" هو الأول بلا منازع في شهر رمضان، وبجرة قلم من ناقد آخر، تصبح السلسلة السعودية "طاش ما طاش" هي الأولى

وبالتأكيد فإن الشركات الإعلانية التي يقدر حجم السيولة فيها بمليارات الدولارات لا تستطيع أن تقدر مدى نجاح الوسيلة الإعلامية وموادها بشكل عياني أو بأدوات بسيطة، فالشرائح الاجتماعية التي تستهلك السلع الإعلامية واسعة جداً، ولهذا فإنها تلجأ إلى شركات صاحبة اختصاص في قياس نسب المشاهدة والمتابعة.

فإذا ما أخذنا السوق الأميركية كمثال على هذه المعادلة، فإن تصنيفات نيلسون، تؤدي الغرض المطلوب، وهذه التصنيفات هي أنظمة لقياس حجم الجمهور المتابع للبرامج التلفزيونية، رسخها مركزNielsen Media Research الذي تأسس في عام 1923، ويعمل حالياً في أكثر من 100 دولة. وقبل الدخول في شرح التصنيفات فإن تاريخ أدوات القياس التي بدأها المركز في أربعينات القرن الماضي مر بمراحل كانت ترتبط بتطور الوسائل الاتصالية ذاتها.

جرى الطلب من عينات من الجمهور أن تكتب على الورق عن أهم ما تسمعه أو تشاهده، كما أن السؤال المباشر من قبل المندوبين الذين كانوا يجولون بين الجمهور كان طريقة جيدة في وقتها، غير أن التطور الذي أصاب عملية البث وتحولها من البث الهوائي إلى البث عبر شبكات الكيبل مروراً بالبث الفضائي وكذلك الشبكات المشفرة، قد خلق آليات جديدة للتوصل إلى قياس النسب بشكل قريب من الواقع، وعموماً فإن طرق القياس تتحدد بطريقتين من الدراسات الاستقصائية في حصر عدد المشاهدين، الأولى وهي طريقة لا تزال تعمل عبرها الشركات الإعلانية في المنطقة العربية وتبنى على اختيار عينات (مئات من المشاهدين من مناطق وطبقات مختلفة بالعمل على تدوين البرامج والقنوات التي يتابعونها يومياً). وهي طريقة لا تقدم نتائج دقيقة، بالإضافة إلى كونها تعتمد على تسجيل مزاجي لا يخلو من المجاملات والتزوير، وقد توقّف العمل بها منذ عقود عدة.

أما الطريقة الحديثة فهي تعتمد على تركيب أجهزة رقمية حديثة تقوم بتسجيل البرامج والقنوات التي تتم متابعتها من قبل الجمهور وهي طريقة دقيقة ولا يتم التلاعب بنتائجها، وهي الطريقة التي يجري العمل وفقها في الدول المتطورة، والتي يعمل وفقها مركز نيلسون أيضاً، حيث يقوم بنشر 16000 جهاز، لدى عددٍ مماثل من المتلقين، يتم من خلالها تسجيل معطيات المشاهدة، ولتتم بعدها دراسة النتائج بحسب التصنيفات، وليتم بعدها الخروج بالنتائج الريتينغ، ما يعني أن مصير خيارات ملايين المشاهدين إن كان من جهة رغبات الشركات المنتجة، أو جهة شركات الإعلانات إنما يتم عبر هذه الأجهزة.

يقوم القياس الذي يجريه مركز نيلسون على عدد من التصنيفات، فهو يعتمد نظاماً تنقيطياً، حيث كل نقطة واحدة = 1 بالمئة من النسبة العامة حسب فئة من الفئات المحددة لديه كقواعد قياس، فالتصنيف (TV HHs) وهو اختصار لعبارة TV Household، يشير إلى أن كل منزل أميركي يحتوي على جهاز تلفزيون، كما أن التصنيف (+PERS 2 ) يشير إلى كل شخص يتجاوز عمره السنتان، أما التصنيف (LIVE+SD) يؤشر إلى عدد مشاهدي البرنامج التلفزيوني سواء عبر المشاهدة في وقت عرضه أو مشاهدته مسجلاً في نفس يوم عرضه، كما أن عدد مشاهدي البرنامج عبر مشاهدته مسجلاً في مدة ثلاثة أيام من عرضه ينضوون تحت التصنيف (LIVE+3) أما الذين يشاهدونه مسجلاً في مدة أسبوع من عرضه فيقعون في خانة التصنيف (LIVE+7).

في العالم العربي لا يوجد أيّ دليل يثبت قدرة الشبكات التلفزيونية الشهيرة، على تحديد ريتينغ حقيقي لما تبثه من مواد تلفزيونية، فثقافة القياس العلمي، عبر تصنيفات مركز نيلسون أو غيرها، غير قائمة، إذ لم نسمع عن قيام شركة ما بتوزيع أجهزة تحديد ما يشاهده الجمهور

غير أن التصنيف الأهم لدى مركز نيلسون فهو (Rating 18-49) ويعني فئة البالغين التي يركز المعلنون اهتمامهم عليها كثيراً، وهي تشير إلى الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18-49 سنة، والرقم الذي يقدمه هذا التصنيف هو أهم رقم، إذ يبين للمعلنين درجة وصول المسلسل/البرنامج إلى الشريحة الأكثر قدرة على تلقي الإعلان والتفاعل معه والقدرة على الشراء، وطبقاً لهذه التصنيفات فإن عدد المشاهدين الكلي للمسلسل أو البرنامج لا يهم المعلنين كثيراً، على عكس ما تدعيه الشركات الإحصائية في منطقتنا العربية، والتي تبدو بعيدة كل البعد عن عالم تصنيفات نيلسون.

مساوئ المعجزة

كما لكل معجزة مصدقوها ومكذبوها، فإن للريتينغ أعداء ومشككين أيضاً، وهؤلاء لا يكذبون النتائج التي يخرج بها، ولكنهم يطرحون الأسئلة حول دقة تعاطي الجمهور مع الإعلانات ذاتها، فبعض الجمهور لا يشاهد الإعلانات أثناء البث الحي، كما أن جزءاً لا بأس به من الجمهور يشاهد المسلسل/البرنامج مسجلاً، وهو سيمرر الإعلانات بسرعة ليتابع المشاهدة، وقد أدّى طرح الأسئلة حول هذا الأمر إلى معارك لتحديد سعر الحصة الإعلانية بين شركات الإعلانات وبين شبكات التلفزة، وليتحدد السعر في النهاية من خلال البث الحي وليس من خلال البرامج المسجلة.

كما أن التطور الهائل في عالم القرصنة، ولا سيما قدرة القراصنة على بث المواد التلفزيونية من خلال شبكة الإنترنت عبر التورنت (أحد طرق تنزيل الملفات من شبكة الإنترنت لا تعتمد على خادم سيرفير بل يتم التحميل عن طريق المشاركة بين المستخدمين) وعدم قدرة الشركات المنتجة على ملاحقة هؤلاء، قد خلق إمكانية جديدة لقراءة الريتينغ عبر نشاط هؤلاء.

ولعل ما حدث ويحدث دائماً لمواسم مسلسل Game of Thrones ينفع للدلالة على الأمر، فحين كانت شبكة HBO المشفرة تقوم ببث حلقته الأسبوعية، كانت مواقع التحميل المجاني تشتعل على شبكة الإنترنت، وخلال أقل من يوم كان مئات الملايين من المشاهدين يقومون بمشاهدته مسجلاً ومترجماً إلى أغلب اللغات الحية في الكرة الأرضية، وطبقاً لقائمة الأفلام والمسلسلات الأكثر تحميلاً بصورة غير شرعية (مقرصنة) على شبكة الانترنت، التي يصدرها موقع Torrent Freak المتخصص بكل ما يتعلق بأخبار وإحصائيات التورنت فقد تصدر هذا المسلسل قائمة المركز الأول خلال عام 2012 في عدد مرات التحميل غير المشروعة بمعدل 4.8 مليون تحميل للحلقة الواحدة.

خديعة الريتينغ العربي

لا يوجد في العالم العربي أيّ دليل يثبت قدرة الشبكات التلفزيونية الشهيرة، على تحديد ريتينغ حقيقي لما تبثه من مواد تلفزيونية، فثقافة القياس العلمي، عبر تصنيفات مركز نيلسون أو غيرها، غير قائمة، إذ لم نسمع عن قيام شركة ما بتوزيع أجهزة تحديد ما يشاهده الجمهور، بل إن جل ما تقوم به هذه الشركات إنما هو إجراء الإحصاء عبر مواقع الإنترنت، أو عبر فرق تجول على الأرض وتعمل على عينات محددة، وقد أثبت التاريخ عدم إمكانية الحصول على نتائج دقيقة من هذا النمط من القياس، لا بل إن عمليات التزوير في النتائج تبدو ثقافة راسخة لدى الشركات الإعلانية ولدى الشبكات التلفزيونية على حدٍ سواء، فبجرة قلم من ناقد تلفزيوني يصبح المسلسل السوري “باب الحارة” هو الأول بلا منازع في شهر رمضان، وبجرة قلم من ناقد آخر، تصبح السلسلة السعودية “طاش ما طاش” هي الأولى.

لائحة تصنيف الأعمال الدرامية تحتوي على أربعة أو خمسة تصنيفات متداولة، منها الدراما الاجتماعية، وكذلك التاريخية والبيئية والفنتازية والكوميدية، بينما تختفي تصنيفات أخرى كدراما المغامرات، والرومانسية والبوليسية والحربية، عن لائحة المنتجين، دون أي سبب مفهوم يجعل هذه النوعيات غائبة عن أجندة المنتجين

كما أن الشبكات التي تبث البرامج الغنائية التنافسية تنفخ في أرقام متابعيها، معتمدة على مقياس المشاركات عبر رسائل الـ SMS الهاتفية. وكخلاصة لما يؤدي إليه هذا الفراغ في القياس العلمي الحقيقي، وكذلك تحكم الشركات الإعلانية بالسوق الإنتاجية، فإن علينا ملاحظة تحكم فئة من “هواة الصنف” على المزاج الإنتاجي للشركات المنتجة، ما يؤدي حكماً إلى اندفاع هذه الشركات إلى إنتاج عشرات الأعمال البيئة في الوقت نفسه، وإهمال أنواع درامية أخرى كالمسلسلات الاجتماعية أو التاريخية، وهي أنواع يندرج محبوها ضمن الإطار العريض لعبارة “هواة الصنف”.

ومن خلال متابعتنا لسوق الدراما السورية تحديداً نرى كيف أن الإنتاج الدرامي يتبع الموجة التي تفرضها عليه حسابات المعلن الذي بات يتحكم في تحديد طبيعة الإنتاج ضمن الموسم كله كما حدث في شهر رمضان العام 2009 حيث سيطرت الأعمال الاجتماعية كمياً (12 مسلسلاً كان أبرزها مسلسلات زمن العار وقاع المدينة وسحابة صيف) وفرضت الدراما البيئية (باب الحارة وبيت جدي) نفسها في المحصلة لتحوز صفة الأكثر جماهيرية.

ولكن لو أننا أردنا أن نعيد رسم المشهد حسب المُشاهد ذاته، وحسب تنوع وتعدد رغباته وحاجاته، وقبل هذا من خلال ريتينغ حقيقي، هل كنا سنحصل على نفس النتيجة؟

تحتوي لائحة تصنيف الأعمال الدرامية على أربعة أو خمسة تصنيفات متداولة، منها الدراما الاجتماعية، وكذلك التاريخية والبيئية والفنتازية والكوميدية، بينما تختفي تصنيفات أخرى كدراما المغامرات، والرومانسية والبوليسية والحربية، عن لائحة المنتجين، دون أيّ سبب مفهوم يجعل هذه النوعيات غائبة عن أجندة المنتجين، فهل كانت نوعية المشاهدين السوريين تنحصر في أولئك الذين يحبون “باب الحارة” و”زعران” أحياء المخالفات؟ أم أن المنتجين السوريين كانوا ومازالوا يعملون وفق أجندة شركات إعلانية، لا تهتم بجمهورها قدر اهتمامها بجمهور الشبكات التلفزيونية الخليجية؟

15