الريع النفطي يُنتج دولة جزائرية غنية وشعبا فقيرا

الأوضاع الاجتماعية الأخيرة في الجزائر تكشف عن توسع رهيب لدائرة الفقر بسبب تقلّص موارد الدولة من العملة الصعبة، بعد تهاوي أسعار النفط.
الثلاثاء 2019/10/15
المطالب التنموية على رأس أهداف الحراك الشعبي

الجزائر- تتضارب الإحصائيات في الجزائر حول انتشار ظاهرة الفقر في المجتمع، في ظل اختلاف المعايير الدولية، إلا أنها تجمع على أن الظاهرة آخذة في التوسع بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، بسبب شحّ الموارد المالية للدولة المعتمدة كليّا على الاقتصاد الريعي.

وتشير الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى توسّع رهيب لدائرة الفقر في السنوات الأخيرة، وأضحت تشمل قرابة نصف تعداد المجتمع، فيما يعيش نحو 15 مليون جزائري تحت خط الفقر، ولا يقدر حوالي 40 بالمئة من الشعب الجزائري على اقتناء حاجياتهم الأساسية.

وحسب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، فإن مؤشرات الفقر صعدت من 24 بالمئة العام 2014، إلى نحو 40 بالمئة العام الماضي، وأن من بين الـ1541 بلدية المشَكّلة للخارطة الجغرافية للبلاد، هناك 1400 بلدية فقيرة تُدير أوضاعها بمساهمات صناديق الدولة.

وحسب إحصائيات الرابطة، تصنّف 800 بلدية ضمن خانة الأكثر فقرا، وتستقطب حوالي 20 مليون فرد، مما يعني أن نصف الجزائريين فقراء.

تقرير للبنك العالمي صدر نهاية العام الماضي، أكد انحدار ما يقدر من 10 بالمئة من الجزائريين إلى عتبة الأكثر فقرا خلال السنوات الأخيرة

معطيات تنفيها المؤسسات الرسمية في البلاد، وتظهر أنّ حوالي 10 بالمئة فقط من الشعب الجزائري هم فقراء، معتمدة في ذلك على معايير خاصة وعلى المساهمات الاجتماعية التي ترصدها الحكومة سنويا، في شكل دعم للمواد ذات الاستهلاك الواسع ومنح وعلاوات للأسر المعوزة وذوي الاحتياجات الخاصة.

ويرى متابعون للشأن الجزائري، أن الأوضاع الاجتماعية في البلاد أخذت في التدهور منذ العام 2015 تحت تأثير تقلّص موارد الدولة من العملة الصعبة، بسبب تهاوي أسعار النفط الذي يعدّ المصدر الأساسي للخزينة العمومية، ونتيجة لانتهاج الحكومات المتعاقبة لسياسات الاقتصاد الريعي غير المنتج.

وظلت ظاهرة الفقر أكبر عوائق تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد، وبقيت خلال سنوات سابقة تمثّل حاضنة لظاهرة الإرهاب والتطرّف الديني، لاسيما وأنّ مناخ الفقر تستغلّه الخلايا الإرهابية في توظيف الأوضاع الاجتماعية داخل أحزمة المدن والأحياء الشعبية والمناطق النائية، لتغذية روح النقمة والتمرد، من أجل أن يصبحوا جيوبا بشرية صالحة للاستعمال في التوقيت المناسب.

وتذكر تقارير أمنية ومحاضر معاينات، بأن الخلفية الاجتماعية لأفراد التنظيمات الإرهابية، تستند دائما إلى بؤر الفقر والتخلّف والعزلة وغياب الخدمات الحكومية، وأنّ تواجد عناصر في الخلايا الإرهابية من عائلات ثرية وأحياء راقية هو قليل جدا، في حين تنحدر الأغلبية من الأحياء الفقيرة.

توسّع رهيب لدائرة الفقر في السنوات الأخيرة تشمل قرابة نصف تعداد المجتمع، فيما يعيش نحو 15 مليون جزائري تحت خط الفقر

وأمام تفاقم الفقر واتساع دائرته، تحوّل الفقراء إلى مصدر لإنتاج الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في البلاد وباتت الفئات الفقيرة الوعاء الرئيسي لفعاليات الحراك الشعبي المنتفض في الجزائر.

وتتركّز الاحتجاجات الحالية على مطالب سياسية، تعكس وعيا اجتماعيا بكون أزمة البلاد بكل تعقيداتها وتجليّاتها هي نتيجة طبيعية لفساد المنظومة السياسية الحاكمة، وأنّ المجتمع يريد تغيير مصدر الأزمة من المنبع وليس من المصب.

وتحاول السلطة إخفاء توسع دائرة الفقر بالترويج لمظاهر التكافل والتضامن الاجتماعيين، اللذين يبرزان بشكل واضح في مختلف الأعياد والمواسم الاجتماعية والدينية عبر توزيع المنحة المدرسية على ثلاثة ملايين أسرة جزائرية، وتنظيم موائد إفطار في رمضان، وهو ما اعتبره مراقبون مظهرا من مظاهر الإخلالات الاجتماعية العميقة وأحد مؤشرات الانتشار الكبير للفقر.

وكان تقرير للبنك العالمي صدر نهاية العام الماضي، أكد انحدار ما يقدر من 10 بالمئة من الجزائريين إلى عتبة الأكثر فقرا خلال السنوات الأخيرة، وتوقّع صعود مؤشر التضخم خلال العام الداخل إلى 9 بالمئة، وهو ما يعكس تعقيدات الوضع الاجتماعي الصعب في البلاد.

4