"الرُحّل المستقرّون" معرض فوتوغرافي يتتبّع هجرة غير شرعية أبطالها أطفال

خلفيات بعض الصور الفوتوغرافية الملتقطة من الفنانة بورغاتوريو تذكّر بالرحلات الأسطورية للسفن عبر التاريخ البشري.
الأربعاء 2021/09/22
صورة مركبة لطفلة وقارب وما بينهما من أهوال

عمّان - تقدّم الفنانة الإيطالية أنيزي بورغاتوريو في معرضها “الرُحّل المستقرّون”، أعمالا فوتوغرافية تتناول موضوع النزوح والهجرة إلى أوروبا، من خلال أسلوب فنّي ينأى عن صدم المشاهد أو إحداث ردة فعل قوية لديه.

والمعرض الذي يحتضنه المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة، ويستمرّ حتى السادس من أكتوبر القادم تعرض من خلاله بورغاتوريو مشاهد فوتوغرافية ملتقطة وأخرى مركّبة تدفع إلى التفكير وتحرّض الذهن على التساؤل، متجنّبة المشاهد المؤلمة أو الجارحة. وهي في سبيل تحقيق ذلك لا تركّز على رحلة النزوح والهروب الطويلة، بل على البلد التي حطّت هذه الرحلة في رحابه.

وتُظهر الفنانة الإيطالية في صورها وصول النازحين إلى وجهتهم، وأبطالها الرئيسيون هم الأطفال، الذين يجدون أنفسهم في الغابة ولا تبدو عليهم علامات الإرهاق أو التعب الجسدي، لكن ثمة في محيطهم ما يُشير إلى صعوبة الرحلة التي اجتازوها؛ والمتمثلة في بقايا قوارب صدئة ومتشقّقة، وقوارب مليئة بسترات النجاة التي تحمي من الغرق خلال الرحلات المائية.

وتذكّر خلفيات بعض الصور التي تُظهر جماليات الظل والضوء وانعكاسها على أشجار الغابة، بالرحلات “الأسطورية” للسفن عبر التاريخ البشري.

وفي إحدى الصور، تظهر فتاة كما لو أنها حارسة الغابة الطيّبة بينما الحمائم البيضاء ترفرف حولها، وخلافا للمشهد السحري في الخلفية تَظهر في مقدّمة الصورة طفلة تخبّئ وجهها بكفّيها وهي تبكي، وهو ما يُثير المشاعر لدى المتلقي الذي يستشفّ من شكل الطفلة وهيئتها صعوبة الرحلة وأثرها النفسي عليها، ذلك أن وصول القوارب إلى برّ الأمان لا يعني النجاة من رعب التجربة.

وفي صورة أخرى نرى طفلا وطفلة يقفان قرب شاطئ البحر وينظران إلى القارب الذي وُضعت بجانبه شبكة صيد، وهي صورة رُكِّبت من العديد من الصور، ففي نظرات الطفلين الوادعة على زاوية الصورة، ثمة في منتصف الصورة قارب شبه مُتهالك، وهو ما خلق حالة شعورية مُتضادة.

وفي صورة تركيبية أخرى، تظهر طفلة مستندة إلى جدار، بينما تحضر في مقدّمة الصورة غرفة لبيت متصدّع وقارب كأنه مصنوع من الصخر. وتؤدّي الألوان الترابية في هذه الصورة دورا مهما في تسريب الشعور بالبؤس واليباس والخوف إلى نفس المتلقي، لكن ثمة دائما نافذة لمرور الضوء في غالبية صور الفنانة، رمزا للأمل.

وتجسّد إحدى الصور طفلة لم تصل إلى وجهتها بعد، وهي تقف وسط الغابة شاعرة بالحيرة والارتباك لعدم قدرتها على تحديد الطريق الذي ستسلكه، مرتدية ملابس تتناسب مع الطقس البارد، ويبرز هنا التباين في الألوان بين الأوراق الخضراء المحيطة بالطفلة وبين سترتها الحمراء، ما يجعلها تشكّل نقطة جذب بصرية قوية في الصورة رغم أنها تقف على الطرف وفي الخلفية، بينما تظهر في المقدّمة صورة القارب المتآكل.

وتنظر الطفلة إلى القارب نظرة عميقة ذات دلالة، كأنها تُسائل من خلالها ماضيها في الوقت الذي لا تعرف فيه أين ستقودها خُطاها في المستقبل؟

Thumbnail

وفي مشروع “الرُحّل المستقرّون”، يُفهم موضوع عبور الحدود أو المعابر الحدودية على أنه مكان عبور نموذجي، حيث يتمّ الخلط بين ما هو ذاتي وجماعي وما هو دولي وتختلط القضايا في تزامن لا يمكن تصوّره.

وتصوّر الفنانة الإيطالية ذهول البشرية في طريقهم الصعب للجوء على الرغم من العيش في عصر الانتقال السهل، حيث إن الحدود المفروضة والظروف التي يواجهها الراحلون من أوطانهم تبدو لا إنسانية بالمرة، وتتجاوز صور بوغاتوريو حكاية التاريخ ورصد الأحداث لتُعيد بناء صورة تتجاوز وتزيح وتفكّك الواقع والحدث والعناصر لتنفذ بالمُتلقّي إلى عالم التساؤل والمساءلة.

وتتّسم أعمال بورغاتوريو بالإيقاع السحري والسريالي، وهي تذكّر بالحكايات الأسطورية والخرافية، وتنثر في الغابة مفردات لا يمكن توقُّع وجودها أو الحدس به، انطلاقا من أن الغابة الجهة الأولى التي يحطّ بها المهاجرون، والمكان الذي يتوّقفون فيه بانتظار الخطوات اللاحقة، ممّا يعني بالضرورة توقّع حدوث أيّ شيء، بما في ذلك القرارات التي قد تكون مخيبة لآمالهم.

ويأتي معرض “الرُحّل المستقرّون” ضمن فعاليات مهرجان الصورة – عمّان في دورته التاسعة، وبتنظيم من المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة والسفارة الإيطالية في عمّان ومعرض بودبيلسكي للفن المعاصر.

ويمثّل المعرض تصوّر الفنانة الإيطالية أنيزي بورغاتوريو لمهرجان الصورة عمّان للعام الحالي، حيث إن الأعمال التي جمعتها في هذا المعرض هي مقترحة بتنوّع خاص على حد سواء، كمجال للتجارب التقنية، وكمكان للتشكيك في دور الصورة، وفي الوقت نفسه تعزّز وتزيد من جاذبية معينة لمحتوى المشاركة العاطفية العميقة.

وأنيزي بورغاتوريو فنانة إيطالية ولدت في مدينة باري وتعيش بين بلغراد وبيروت، وهي نشطة في مجال تركيبات التصوير الفوتوغرافي والفيديو، والكولاج التناظري والرقمي، وينعكس بحثها على الذاكرة وإعادة بناء الروايات الشخصية والجماعية، سواء من خلال العرض أو من خلال المواد الأرشيفية التي يتم التدخّل فيها: النظر إلى ما وراء اللقطة والقلب والاقتراب والتعليق وإعادة البناء وتحويل النظرة.

وسبق للفنانين الإيطاليين المُشاركة في مهرجان الصورة عمّان عبر العديد من المعارض، منها معرض “نوستلجيا” للمصوّرة الفوتوغرافية ليندا دوريغو عام 2018. و”البحر المتوسط” للمصوّر ميمو جوديتشي عام 2019.

وتتواصل المعارض التي يقدّمها المهرجان في دورته الحالية عبر مساحات فنية مختلفة في العديد من المواقع في العاصمة عمّان ومدينة إربد، لتشمل تسعة وثلاثين معرضا فوتوغرافيا بين العروض الفردية والجماعية، لأكثر من خمسين مصوّرا ومصوّرة من أسماء رائدة وأخرى واعدة من العديد من الدول العربية والعالمية، منها الأردن وفلسطين ولبنان والبرازيل وإسبانيا والجزائر وفرنسا وإيطاليا.

16