الزارة على الحدود اللبنانية و"انتصارات النظام" البائسة

الاثنين 2014/03/17
الزارة.. معقل الثورة السورية

“الجيش العربي السوري يعيد الأمن والأمان إلى قرية الزارة بعد تطهيرها من الإرهاب”، هذا واحد من العناوين التي اجتاحت وسائل إعلام النظام السوري وحلفاءه غداة الإعلان عن اقتحام القرية الصغيرة من قبل قوات الجيش النظامي مدعومة بمليشيا “الدفاع الوطني”، الصور التي بثها الإعلام السوري تشي بالحقيقة كلها، حجارة الأبنية المدمرة تقول كل شيء.

خمسون يوما من المعارك الطاحنة أعقبت عامين من القصف والاشتباكات المتقطعة تقترب من نهايتها في تلك القرية الصغيرة التي كان يقطنها سبعة آلاف نسمة من السوريين “التركمان السنة”، مئات الأرواح أزهقت في أحراشها وأزقتها، وآلاف القصص التي لن يعرفها أحد ستبقى دفينة تحت الدمار والدماء ومجنزرات الجيش المنتصر على “الخونة والإرهابيين”، لكن شيئا رئيسيا على العالم أن يعرفه، لم تكن المعركة في الزارة معركة على هامش الثورة السورية، بل لعلها تكثيف أسطوري لكل ما يدور في هذه البلاد الدامية.

قرية الزارة هي قرية تابعة لريف تلكلخ في غرب محافظة حمص، على أن تبعيتها الإدارية هذه لم تغير من ترابطها التاريخي مع جبال الساحل السوري وسهل عكار في ريف طرطوس بأغلبيته العلوية، إنها على المدخل الجنوبي الشرقي للساحل السوري، وإلى الشمال منها قرى وادي النصارى، وإلى الشمال الشرقي بلدة الحصن الثائرة هي الأخرى على نظام الأسد.

قرية الزارة كانت قبل الثورة على وفاق مع النظام السوري، ومنها عشرات الضباط في الجيش، ولم تنبس القرية ببنت شفة خلال مراحل الثورة الأولى، لا شك أن تعاطفا خفيا كان يسري في هشيم القرية على إيقاع المظاهرات ثم المعارك في تلكلخ وحمص ثم بلدة الحصن القريبة، إلا أن القرية اكتفت بتقديم الدعم واحتضان اللاجئين في البداية. كان واضحا أن معركة هناك تشبه الانتحار، ذلك لأن القرية محاطة من كل الجهات بمؤيدي النظام السوري، ولا يصلها بالثوار سوى الأحراش المؤدية إلى تلكلخ ثم الحدود اللبنانية، وعلى عاتقها تقع مهمة وصل بلدة الحصن بالحدود اللبنانية.

منذ أن انشق أغلب الضباط من أبنائها وتوجهوا إلى قريتهم رفضا للقتال في صفوف قوات النظام أصبح على القرية بعدتها وعديدها أن تستعد للحرب، السلاح يأتي عبر الحدود اللبنانية وربما بعض المقاتلين أيضاً، بضعة مظاهرات وسريعا جدا إلى الحصار والقصف والمعارك، عامان من القصف جنبا إلى جنب مع شقيقتها بلدة الحصن وبقيت الزارة ترفض الخروج من المعركة.

ليس هذا فحسب، بل ومنذ تم توقيع اتفاق “المصالحة الوطنية” في تلكلخ أواسط العام المنصرم، توجه المقاتلون الرافضون للمصالحة إلى الزارة لتصبح بأحراشها الوعرة وخبرة ضباطها العسكرية المتواضعة معقل الثورة المسلحة في ريف حمص الغربي.

نزح كثير من سكان القرية باتجاه سهل عكار قبل إحكام الحصار، وبقي كثيرون آخرون مع أبنائهم المسلحين صامدين فيها، لم يكتف مقاتلوا القرية بالتصدي لمحاولات الاقتحام، بل كانوا يهاجمون الحواجز التي تطبق الحصار عليهم بين فينة وأخرى، كذلك كانوا يشتبكون مع قوات الدفاع الوطني والجيش النظامي أثناء أعمال تهريب السلاح في الأحراش، سوى ذلك لم يقم النظام بمحاولة جدية للسيطرة عليها طيلة ما يقرب من عامين.

يقول بعض سكان وادي النصارى إن النظام كان بإمكانه حسم المسـألة هناك بالقوة أو التفاوض منذ زمن، لكنه كان يريدها منطقة متوترة للاستثمار في التداخل الطائفي، وبعيدا عن الجحيم الذي يقول إعلام النظام وحلفائه إن المسيحيين يعيشون فيه جراء أعمال “الإرهاب” التي يقوم بها مسلحوا الحصن والزارة، فإن الجميع يعرف كذب هذه الأضاليل، لم يفعل سكان الحصن والزارة شيئا طيلة عامين سوى الدفاع والصمود تحت الحصار.

منذ منتصف يناير الماضي بدأت وتيرة الاشتباكات والقصف ترتفع في الزارة، وأخذ إعلام النظام يتحدث عن الحسم خلال أيام في تلك المنطقة، وبدأت “نزهة” الاقتحام بتقدم مليشيات الحزب السوري القومي الاجتماعي وقوات الدفاع والوطني مدعومة بطيران الجيش ومدرعاته، وبدأت المعركة غير المتوقعة، لم يكن ثمة نزهة هناك، لقد كانت حربا طاحنة دارت بعيدا عن التغطية الإعلامية.

مئات الشهداء من أبناء القرية وثوارها فقدوا أرواحهم في تلك المعارك، مئات الشبان من ريف طرطوس وقرى وادي النصارى سُفكت دماؤهم في أحراش القرية، النعوش بدأت بالتدفق إلى القرى الممتدة من تخوم الزارة الغربية حتى مدينة طرطوس، وخمسون يوماً، خمسون يوما استخدم فيها نظام الأسد الدبابات والمدفعية الثقيلة والطيران الحربي والصواريخ الفراغية والبراميل المتفجرة والنابالم الحارق، كانت أصوات القصف تصل حتى ريف صافيتا غرباً، وكانت القرية الصغيرة تقاوم.

يتحدث بعض الثوار في القرية عن انسحابات وخيانات في آخر أيام المعركة، بعض المقاتلين سلموا أنفسهم، وبعضهم انسحبوا إلى الأحراش والمزارع القريبة، وقاتل آخرون حتى الموت، ومنذ بدأت المدرعات بالدخول إلى شوارع القرية، وبعد أن صوَّر الإعلام السوري فيديوهات “الانتصار”، بدأ نهب البيوت وإحراقها، الدخان الأسود يغطي سماء المنطقة، ويعود عناصر “الدفاع الوطني” إلى قراهم بالأثاث المنهوب.

لم تنته المعارك في تلك الأحراش والتلال الوعرة حتى اللحظة، لا زال بضعة عشرات من المقاتلين يقاومون في مزارع قريتي “الحصرجية” و”شواهد” الصغيرتين وصولا إلى تخوم بلدة الحصن التي يبدو أنها وجهة قوات النظام التالية، وهناك خلف انتصارات الجيش الجرار البائسة، ثمة عشرات العائلات الثكلى من أنصار النظام السوري، وثمة قرية “استشهدت” في معركة غير متكافئة ومحسومة الخواتيم، وثمة دماء كثيرة أريقت وستراق على مذبح “الأمن والاستقرار” الذي يعرف أنصار النظام قبل غيرهم أنه لن يعود قريبا إلى هذه البلاد الحزينة.

7