"الزار" فنون وطقوس لا تندثر من عالم النساء في مصر 

دراسة مصرية تفيد أن فنون الزار وطقوسه الأسطورية لم تندثر وتتم ممارستها بمعرفة النساء لطرد الأرواح الشريرة في مدن مثل الأقصر وأسوان.
الجمعة 2018/06/08
رقصة طرد الأرواح الشريرة من الأجساد

الأقصر (مصر)- أفادت دراسة مصرية بأن فنون الزار وطقوسه الأسطورية لم تندثر بعد، وتتم ممارستها بمعرفة النساء حتى اليوم في مدن مثل الأقصر وأسوان. والزار هو مجموعة طقوس تطهيرية وعلاجية لطرد الأرواح الشريرة التي يعتقد أنها تسكن جسد الإنسان، عن طريق رقصات هستيرية بالإيقاع والأداء الحركي والأغاني.

وقالت دراسة حديثة أجراها مركز الأقصر للدراسات والحوار والتنمية، إن “الزار سيبقى في صعيد مصر ما بقيت النساء”. ويعد الزار أحد أبرز الموروثات الثقافية والشعبية الضاربة بجذورها في الذاكرة المصرية، وهو فن يأبى الأفول رغم كل مظاهر الحداثة التي انتشرت في الريف والقرى والنجوع، لكنه ربما قد توارى عن الأعين.

وبحسب الدراسة التي أشرفت عليها الباحثة المصرية أسماء مناع، فإن جلسات الزار باتت تتم في سرية وبعيدا عن أعين عائلات النساء اللاتي يتسللن إلى منازل يمارس فيها الزار، في مناطق معروفة في مدينة مثل الأقصر وقرب معابد الفراعنة، كما يمارس في مدن وقرى محافظة أسوان.

وتقول الدراسة إن النساء اللاتي يتعرضن لأمراض غامضة، وخاصة النساء كبيرات السن، يضطررن للرقص على أنغام موسيقى وأغنيات لا وجود لها سوى في طقوس الزار، وذلك في ظل بحثهن عن علاج لما أصابهن من مرض لم يتمكن الأطباء من علاجهن منه.

وتقول فاطمة التي تنتمي لإحدى قرى غرب الأقصر في صعيد مصر، إنها كانت تذهب كمرافقة لجارة لها إلى منزل في شرق المدينة، تقف أمامه العشرات من النساء اللاتي أتين خصيصا للمشاركة في حفلات الزار.

وتضيف أنها تذكر تفاصيل الكثير من الحفلات التي كانت تقام في القرى، حيث كان يجرى الإعداد والدعوة لها مبكرا، وكانت النساء يتجمعن في منزل صاحبة الدعوة لإقامة حفل الزار، انتظارا لقدوم إحدى فرق الزار، حيث كانت هناك فرقتان تتمتعان بشهرة واسعة بين محبي ورواد حفلات الزار، وهما فرقة الست أم جاد وفرقة الست فتحية، لكن أم جاد كانت الأكثر قبولا.

الزار سيبقى في صعيد مصر ما بقيت النساء
الزار سيبقى في صعيد مصر ما بقيت النساء

وكانت حفلات الزار تقام في القرى، بعيدا عن المقر الدائم لفرق الزار، كانت تستمر ليل نهار، وكانت بمثابة فرح كبير، وتتوافد عليها النساء من كافة القرى المجاورة. ولا يزال الإقبال على حفلات الزار مستمرا حتى اليوم، لكن لم تعد تقام تلك الحفلات إلا في منزلين فقط في شرق مدينة الأقصر، وكذلك في منازل تخصصت النساء فيها لإقامة حفلات الزار لمن ترغب من النساء الأسوانيات.

وترتدي النساء في حفلات الزار ثيابا بيضاء ويطلقن شعورهن، ويتخلصن من الكثير من القيود المجتمعية، داخل الحفل الذي يقتصر على النساء فقط. وتنتظر النساء دورهن في الرقص، ويخترن أغنية معينة للرقص عليها، وبعض النساء يجدن أنفسهن قد اندمجن في الرقص بشكل عفوي ما أن يستمعن لأغنية بعينها.

ويتم ترتيب دور النساء بحسب أسبقية الوصول والحجز، ومن طقوس الزار ذبح دجاجة بيضاء لكل سيدة تقوم بالرقص للتخلص ربما من الروح الشريرة، أو للتقرب لـ”الأسياد”، بحسب قول بعض النساء اللاتي يعتقدن في السحر وأعمال الدجل والشعوذة. ومن الأدوار أو الأغنيات التي ترددها النساء على وقع ضربات الدفوف في حفلات الزار حتى اليوم، أغنية “خلينا صابرين يا قلبي”، وأغنية “يا حمام الأحباب يا حمام الأحباب .. فاتونا وسكنوا التراب”، وأغنية “اسم الله عليكي يا مخلوعة”.

كما تأتي بعض النساء بوجبات من الطعام يتم توزيعها على الحضور، على سبيل التبرك، مثل “المخروط المسقى باللبن” (وهو يصنع من فطائر رقيقة يتم تقطيعها بشكل معين). ويطلق على حفلات الزار بعض الأسماء التي تختلف من مدينة لأخرى، مثل “الدقة” و”الميدان” إلى جانب كلمة الزار.

وتقترب بعض طقوس الزار في تفاصيلها الأسطورية من الحفلات الطقسية التي كانت تقام بالمعابد المصرية القديمة. ويذكر أن الزار كان طقسا شبه يومي في حياة الكثير من النساء المصريات، وخاصة في المناطق الشعبية، وقد بات فنا يقوم باحثون متخصصون بدراسة عوالمه وطقوسه وأساطيره وجذوره والأداء الحركي لرقصاته.

وقد شغل الزار الكثير من أطياف الفنانين والأدباء والباحثين في شؤون التراث والفلكلور الشعبي، وتم تناوله في الأعمال السينمائية، واستوحى الكثير من الفنانين التشكيليين بعض أعمالهم ولوحاتهم من عوالمه الغامضة، مثل الفنان عادل ثروت الذي أقام في عام 2014 معرضا تحت عنوان “الزار”، كما ظهرت بعض الفرق المصرية الحديثة التي تخصصت في إحياء فنون الزار وأغانيه، مثل فرقة مزاهر.

كما لفت الزار أنظار الكثير من المؤرخين والرحالة الأجانب، مثل الكاتبة البريطانية لوسي داف جوردون، والتي عاشت في مصر خلال القرن التاسع عشر ودونت في كتابها “رسائل من مصر” مشاهداتها عن الزار في الأقصر وأسوان.

ويرجع الباحثون تاريخ الزار إلى عصور الفراعنة، منذ أن حلت روح خبيثة بجسد الأميرة بختن وقد جرت محاولات لإخراج هذه الروح الشريرة من جسدها، لكنها لم تخرج مما جعل الإله خنسو أحد آلهة ثالوث طيبة المقدس يذهب إلى الأميرة الأسيرة لطرد الروح الخبيثة من جسدها باستخدام السحر، وخرجت الروح الشريرة بعد أن لبى الإله خنسو مطلبها بإقامة حفل صاخب لها وتقديم الهدايا والقرابين بين يديها.

20