الزاوية

السبت 2016/07/09

في سنة 1942، أقدم شاب مغربي، على عتبة الأربعينات من عمره، على نشر نص أدبي تحت عنوان “الزاوية”، بمطبعة الريف بتطوان.

رواية "الزاوية" هي تدوين ممتع لسيرة التهامي الوزاني، التي تحمل الكثير من العلامات الدالة والمفارِقة أحيانا. وكما كتب عن نفسه، في مقاله “التهامي الوزاني بقلم التهامي الوزاني”، المنشور سنة 1950 بمجلة “المعرفة”، فقد كان يظن أن الزمان سيوجهه توجيها صوفيا، ثم رآه يحوله تحويلا سياسيا، إلى أن استقر في توجيهه الأدبي.

الباحث المغربي إبراهيم الخطيب، الذي كان من أوائل المنتبهين لأهمية نص “الزاوية”، إلى جانب آخرين ومن بينهم عبدالقادر الشاوي الذي خصّ النص بكتابه “الذات والسيرة”، يحدد أهم تقلبات مسار التهامي الوزاني.

فقد كان الوزاني، في مرحلة شبابه الأولى، يتماهى مع المعتقدات الخرافية التي كانت تحكم محيطه، حيث كان قد اصطنع لنفسه “تميمة من شعر الفقيه الذي كان يدرسه القرآن”، ثم صار ملازما، في مرحلة أخرى، للشيخ الصوفي إدريس الحراق، الذي “كان قد مكنه من الخلوة في علية الزاوية وأمره بلبس العمامة وتعليق السبحة وحمل العصا”، ثم لينخرط في مرحلة أخرى في أحد الألواج الماسونية، باقتراح من أحد أصدقائه من رجالات السلطة الأسبان. وستشكل بداية الأربعينات لحظة انعطاف في مسار التهامي الوزاني، حيث سيصدر جريدته الأسبوعية، الريف، التي سيتسمر صدورها حوالي عشرين سنة، والتي ستشكل معبره الحقيقي نحو التحول إلى الكتابة الأدبية والتاريخية.

رواية “الزاوية” ستليها، خلال مرحلة الحماية، نصوص أخرى، وهي “سليل الثقلين” للكاتب نفسه، و”وزير غرناطة” لعبدالهادي بوطالب، و”رواد المجهول” لأحمد عبدالسلام البقالي. ويشكل ظهور هذه النصوص امتدادا لمجموعة من التحولات السوسيوثقافية التي ساهمت في نسج الفضاء العام لتحقق شروط ظهور الرواية بالمغرب.

ويتجلى أحد مظاهر هذه التحولات في التطور النسبي على مستوى إمكانيات التواصل وانبثاق جيل جديد تلقى تعليمه بالمؤسسات التعليمية الحديثة. وهو الأمر الذي فتح هامشا للاطلاع على النماذج الروائية المشرقية والغربية. كما تندرج، في نفس السياق، التحولات الاجتماعية التي طبعت فترة منتصف الأربعينات، المُزامنة لنهاية الحرب العالمية الثانية، والتي اتسمت بتحول البنية المجتمعية وبتطور هامش الأطر المثقفة داخلها، وأيضا بانبثاق “برجوازية” مغربية بالمدن الكبرى، وهو تحول تكمن امتداداته الثقافية في البحث عن أجناس تعبيرية تستوعب متغيرات البنية الذهنية للطبقة ذاتها.

وخارج الاعتبارات تلك، شكّلت أعمال البدايات الروائية علامات دالة داخل مسار الرواية المغربية.

كاتب من المغرب

17