الزاوية الناصرية جنة مخطوطات أصبحت مقصدا للمرضى النفسيين في المغرب

يصفها المؤرخون بـ”أم الزوايا” في بلاد المغرب، تخرّج منها عدد كبير من العلماء أبرزهم العالم الحسن اليوسي المغربي. كان فيها أكثر من 10 آلاف مخطوطة، بقي منها الآن نحو 4 آلاف، بعد أن نقل العديد منها إلى الخزانة الحسنية (خزانة القصر الملكي) والمكتبة الوطنية (حكومية) في العاصمة المغربية الرباط.
الاثنين 2015/07/06
الزاوية التي اشتهرت بنشر العلم ومقاومة المستعمر الأوروبي يرتادها طالبو الاستشفاء والسياح

تأسست الزاوية الناصرية على يد الشيـخ عمرو بن أحمد الأنصاري سنة 1575م، بقرية تمكروت الواقعة على بعد 18 كيلومترا شرق مدينة زاكورة، جنوب شرقي المغرب، وارتبط اسم الزاوية باسمه، ثم دعيت بالزاوية الحسينية نسبة إلى الشيخ عبدالله بن حسين الرقي، الذي خلف الشيخ المؤسس، قبل أن تسمى من جديد بالناصرية بتولية محمد بن ناصر.

وبعد أن كانت الزاوية ملاذا لأكثر من 1200 طالب علم، يحجون إليها كل عام، حسب تصريحات الأكاديمي، المهدي الغالي، فقد أصبحت في السنوات الأخيرة ملجأ لعشرات المرضى النفسيين، الذين يختار بعضهم المكوث فيها لشهور طويلة.

ويقول عمر بومريس (39 سنة) الذي قدم إلى الزاوية من قرية ألنيف (شمال شرقي زاكورة) إنه “مكثت هنا أكثر من شهرين طلبا للشفاء من مرض الصرع الذي أصابني، والحمد لله حالتي الصحية تتحسن، حيث أنام، وأزور الضريح أربع مرات في اليوم، وهنا أتناول الطعام مجانا طيلة هذه المدة وعلى نفقة الزاوية”.

أما رقية بومكوك (54 سنة) فقدمت من ضواحي مراكش (وسط) بمرافقة أختها الزهرة طلبا للشفاء من خلل عقلي ونفسي انتابها لأكثر من عام، وتقول الزهرة “رافقت أختي رقية إلى زاوية تمكروت الناصرية من أجل بركتها وبركة رجالاتها، حتى تقضى حوائجنا في هذا المقام”.

ويحكي رضوان الشفقي، أحد ساكنة قرية تمركوت، موقع الزاوية الناصرية، عن سيدة تبلغ من العمر 50 عاما، كانت تشتغل كمديرة لوكالة بنكية، “تتردد يوميا وبانتظام على ضريح الزاوية طلبا للشفاء، ولأكثر من 7 سنوات، تتمسح بقبور الضريح”.

ومضى الشفقي قائلا “في أحايين كثيرة تلبس هذه السيدة لباس الرجال في شكل يثير فضول أهالي بلدة تمكروت، وتصلي في مسجد الرجال خلف صفهم”، لافتا أنها “تستأجر منزلا طينيا قرب مقر الزاوية بمبلغ شهري لا يتجاوز 500 درهم (50 دولارا)، ويزورها أحد أقاربها بين الفينة والأخرى”.

ويضيف “أنجزت بحثا ميدانيا حول ظاهرة ضريح الزاوية الناصرية، خلص إلى أن ضعف الوعي وسوء الفهم للدين الإسلامي، وقلة المراكز الاستشفائية المختصة في الأمراض النفسية مسببات لتنامي ذلك في هذا الضريح”.

ويقول أحمد الناصري، حارس الضريح “ليس هناك أي توجيه من قبل مسؤولي الزاوية لزوارها من أجل إنجاز طقوس معينة، بل يفتح الضريح في وجه هؤلاء الذين يبادرون إلى التمسح به والمناجاة والدعاء والتقلب والنوح داخله، وفي أحايين أخرى رشه بالعطور والدعاء”.

ضمت الزاوية أكثر من 10 آلاف مخطوطة نادرة كتب بعضها على رق الغزال أو حررت بماء الذهب، بقي منها الآن نحو 4 آلاف فقط

ويضيف “باب الضريح مفتوح طيلة اليوم، وعلى مدى 24 ساعة، والزيارة كذلك لكل من أراد سواء أكان مريضا أم زائرا أم عابر سبيل”. كما أن تغذية مرضى الضريح مجانية، حسب قوله “فهناك من يمكث شهر أو شهرين وحتى سنوات، لتكون الزاوية الناصرية ملاذهم”.

ويقول رضوان الشفقي، أحد ساكني القرية، إن مصاريف غذاء المرضى، معوزين أو ميسورين، تكون من صدقات المحسنين والهبات التي تمنح لضريح “شرفاء الزاوية الناصرية” كما يلقبون.

ويتنامى عدد مرتادي الضريح، طالبي الاستشفاء، خلال موسم عاشوراء (يوم العاشر من محرم كل عام)، حيث يصل عددهم إلى أكثر من 10 آلاف شخص، لا يسعهم فضاء ولا فناء الزاوية الناصرية، ما يضطر مسؤولي الضريح بدعم من السلطات المحلية المغربية إلى نصب خيام واستئجار بنايات لإيوائهم خلال فترة التدفق الكبيرة السنوية.

وإلى جانب المرتادين، أصبحت خزانة الزاوية تستقطب السياح، وبعض الباحثين المتخصصين في المخطوطات، حسب محافظ الخزانة.

ويقول محمد بناصر محافظ الخزانة “أنفس المخطوطات بها كتبت على رق الغزال، وهما القرآن الكريم وموطأ الإمام مالك بن أنس، الذي كتب في قرطبة (الأندلس) عام 1063 ميلادية (483 هجرية)، وما تزال دار الكتب الناصرية تحتفظ بها إلى اليوم”.

ويضيف “الكتب الموجودة أيضا وحررت بماء الذهب كصحيح البخاري ونسيم الرياض في شرح القاضي عياض”.

وتزامن تأسيس الزاوية الناصرية بتمكروت (1575م) مع غياب الاستقرار بالمغرب، فقد كانت القبائل حينها تتناحر فيما بينها في حروب مفتوحة لا تتوقف، فخربت البلاد وعمت الفوضى وعرقل غياب الأمن النشاط التجاري، إلا أنه بعد تأسيس الزاوية وبسرعة فائقة أضحى شيوخ تمكروت يقومون بدور الوساطة والتحكيم في الحروب غير المنقطعة للقبائل، ويضمنون حماية المظلومين وإيواء أبناء السبيل وإطعامهم، وبالموازاة اشتهرت الزاوية بنشر العلم ومقاومة المستعمرين الأوروبيين، الذين كانوا يحتلون السواحل المغربية.

وبعد مئات السنين لم يتبق من جنة المخطوطات والكتب، وكراسي العلوم والفنون، سوى النزر القليل، بعدما توقف التدريس بالزاوية، ونقلت أكثر من نصف مخطوطات خزانتها إلى العاصمة الرباط، وأصبح أكثر من يمضي بها أوقاته هم المرضى النفسيون، لتصبح معالم الحياة بها مهددة، كما قال عنها العلامة المغربي المختار السوسي بأنها “بنت العلم، وأخت العلم، ولا تحيا إلا بالعلم، ولا تموت إلا يوم ينقطع عنها العلم”.

20