الزبداني آخر قلاع القلمون السوري

الثلاثاء 2015/07/07

شن مقاتلو ميليشيا حزب الله اللبناني وقوات تابعة إلى الفرقة الرابعة في جيش النظام السوري هجوما عنيفا على مدينة الزبداني غربي العاصمة دمشق، خلال الأيام القلية الماضية، مدعومين بمقاتلات نظام بشار الأسد الحربية، حيث ذكرت تقارير، سقوط أكثر من 44 برميلا متفجرا على أحياء المدينة، كما شنت الطائرات الحربية غارات مكثفة، وكانت حصيلة الصواريخ التي سقطت على المدينة أكثر من ثلاثين صاروخا من نوع “غراد” و“فيل” “وزينب”، خلفت دمارا كبيرا في الأحياء السكنية للمدينة، بينما نشبت حرائق كبيرة في سهل الزبداني وأودت بمساحات واسعة من بساتينه.

وحسب مصدر من داخل مدينة الزبداني، فإن عناصر حزب الله وقوات الأسد، تمكنوا من السيطرة على حيّ الجمعيات، وهو حي يقع في أطراف مدينة الزبداني، وحسب المصدر، جرت عدة محاولات تسلل من قبل عناصر الحزب من هذه المنطقة، وبالقرب من الفرن الآلي في حي السلطانة التحتي، بينما ما تزال أغلب أحياء مدينة الزبداني تحت سيطرة قوات المعارضة.

تدور المعارك بشكل رئيسي على مجموعة من المحاور، من أهمها الجبل الغربي، والحواجز المنتشرة على طريق الشام والتي تسيطر عليها قوات الأسد كحاجز مشفى الحكمة، وحاجز الجرجانية، وحاجز زعطوط على طريق سرغايا. وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان سقط على إثر تلك الاشتباكات العنيفة، العديد من القتلى في صفوف الحزب، ومنهم القيادي الميداني بحزب الله “عماد رهيف السبع”، وفي صفوف قوات الأسد، كما أوردت تنسيقية مدينة الزبداني سقوط عدد من الشهداء في صفوف مقاتلي المعارضة.

وفي مواجهة الهجوم الذي كان من المتوقع أن تشنه قوات حزب الله اللبناني، بادر مقاتلو المعارضة في الزبداني يوم الثاني من يوليو الجاري، بشن هجوم استباقي استهدف حاجز الشلاح الواقع بالقرب من المدخل الشرقي للمدينة، والحواجز الواقعة بالقرب من بلودان، وبذلك أفقدت قوات المعارضة عنصر المفاجأة لقوات الأسد وميليشيات حزب الله، فاستعيض عن الهجوم الذي كان مخططا له، باستراتيجية القصف العنيف بالسلاح الثقيل وغارات الطيران الحربي.

تبعد مدينة الزبداني حوالي 45 كيلو مترا عن العاصمة دمشق من جهة الغرب، بينما تتصل سهولها مع الأراضي اللبنانية، وتعد مدينة الزبداني آخر المدن في القلمون السوري الذي تسيطر عليه قوى المعارضة السورية، والبوابة الأخيرة التي تصل القلمون السوري بجاره اللبناني.

تندرج محاولات نظام الأسد في السيطرة على الزبداني في سياق إستراتيجية تتمثل في تأمين محيط دمشق بالكامل

وفي حين تمكنت قوات النظام السوري مدعمة بميليشيات حزب الله التي قادت هذه العمليات، من إعادة سيطرتها على أغلب مدن وبلدات القلمون السوري، بدءا من بلدة القصير بالقرب من مدينة حمص وسط البلاد، وصولاً إلى مدينة يبرود والبلدات المحيطة بها شمال العاصمة دمشق، تمكن مقاتلو المعارضة من الحفاظ على سيطرتهم على مدينة الزبداني وبعض طرق التهريب الترابية التي تصلها بلبنان، ومن هنا تكمن الأهمية الإستراتيجية للمدينة، والتي يسعى حزب الله اللبناني إلى السيطرة عليها، وبالتالي إحكام السيطرة على مجمل الحدود السورية اللبنانية.

لا تقتصر أهمية الزبداني على قربها من الحدود اللبنانية، بل تتعدى ذلك إلى وقوعها على طريق الشام الدولي من المصنع إلى جديدة يابوس، وهو الشريان الحيوي الوحيد الذي يصل دمشق بالأراضي اللبنانية. كما أن السيطرة على مدينة الزبداني إذا أتيح ذلك لقوات الأسد، تعني منع قوات المعارضة من التسلل والتقدم نحو المناطق الجنوبية الغربية بمنطقة القلمون والاتصال بمدينة الزبداني.

وفي كل الأحوال تندرج محاولات نظام الأسد في السيطرة على الزبداني في سياق خطة إستراتيجية كان عمل عليها عبر السنتين الماضيتين، وتتمثل في تأمين محيط دمشق بالكامل، وإبعاد قوات المعارضة عن عمق العاصمة دمشق، هذا ما حدث على الجبهة الشرقية حيث تمت السيطرة على مدينة المليحة، ومنها استطاعت قوات الأسد إحكام سيطرتها على مجمل طريق مطار دمشق الدولي إلى الجنوب الشرقي من العاصمة دمشق، والأمر ينطبق أيضا على الجهة الشمالية من العاصمة دمشق، وتحديدا منطقة القلمون الغربي.

وخلال كل الفترة الماضية، تمكنت مدينة الزبداني من الصمود في وجه قصف قوات الأسد عليها، ونجحت قوات المعارضة من الحفاظ على مواقعها، رغم أن التقدم الذي أحرزته قوات الأسد وميليشيات حزب الله كان قد ضيق الخناق على المقاتلين، وفرض عليهم ما يشبه الحصار العسكري، وقد يكون هذا أحد العوامل التي تفسر دفاع قوات المعارضة الشرس عن مواقعها، حيث لا يبدو أن لديها خيارا آخر سوى الدفاع عن نفسها.

ورغم أن مدينة الزبداني تعد من أولى المدن السورية التي نجح الثوار في فرض سيطرتهم عليها، إلا أنها تتميز بأنها لم تدخلها تشكيلات عسكرية متشددة من نموذج الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة، وكان أغلب المقاتلين فيها من أهالي المنطقة ومن سكان المدينة. ومنذ أن قامت قوات المعارضة بالسيطرة على مدينة الزبداني بداية عام 2012 ومجموعة من التشكيلات العسكرية المحلية متواجدة في الزبداني تقوم بمهمة التصدي لقوات النظام وإدارة شؤون المدينة. ومنذ وقت مبكر، قام الناشطون بتشكيل مجلسين، واحد مدني والآخر عسكري ضم أغلب التشكيلات المقاتلة، حتى أنه يمكن اعتبار مدينة الزبداني من أولى المدن السورية التي شكلت مجلسا مدنيا وعسكريا لإدارة شؤون المدينة. ومن أشهر التشكيلات العسكرية المتواجدة في الزبداني كتيبة حمزة بن عبد المطلب، كتيبة محمد بن مسلمة، كتيبة شهداء الحق، كتيبة أحرار الشام، وكتيبة المعتصم بالله، وغيرها.

تبدو معارك حزب الله اليوم على مدينة الزبداني، أشبه بمحاولة رد الاعتبار، حيال الخسائر الكبيرة التي تكبدها في صفوف مقاتليه، في معاركه المستمرة منذ أشهر في جرود القلمون الغربي، حيث وصلت أعداد قتلى الحزب إلى نحو 85 قتيلا، سقطوا في مواجهات مع مقاتلي المعارضة السورية، والذين تمكنوا بعد أن نجحوا في تغيير تكتيكاتهم العسكرية واعتماد أسلوب حرب العصابات، من منع قوات حزب الله من تحقيق انتصارات كان قد وعد بها أمين الحزب أنصاره في وقت سابق.

كاتب سوري

9