الزجاج المعشق عراقة وتطور بين أيادي السوريين

صناعة الزجاج المعشق مازالت تنال إعجاب الدمشقيين بعد ازدياد استخدامه في مجالات كثيرة منها ديكورات الصالونات في الفيلات والشقق لاستحضار التراث الشرقي.
الثلاثاء 2019/01/08
التعشيق يرتقي من الحرفة إلى الفن

دمشق- الزجاج المعشق من أقدم الحرف الدمشقية العريقة، التي جمعت بين الإبداع والمهارة والقدم والحداثة، وقد تطورت عبر السنين محافظة على أصالتها وتألقها بأجمل ما قدمته أيدي صناعها.

يقول فايز تلمساني الذي يعتبر واحدا من حرفيي صناعة الزجاج المعشق في دمشق “تعتبر حرفة الزجاج المعشق واحدة من أقدم الحرف الدمشقية ويرجع تاريخ نشأتها إلى ألفي عام، وجاءت تسميتها بالمعشق من ترابط مادة الجص مع الزجاج حيث وصف هذا الترابط بالعشق نظرا للتماسك والتناغم بين الألوان والجص”.

وهناك أيضا تعشيق بين الزجاج والرصاص، وكما يقول الحرفي نضال الهاشمي “إن تسمية الزجاج المعشق بهذا الاسم جاءت نتيجة تعشيق ألواح الزجاج ضمن قضبان الرصاص التي تكون هي العاشق والزجاج هو المعشوق ما يشكل حالة تجانس بينهما تولد لوحات رائعة الجمال والإبهار”.

أقدم الحرف الدمشقية العريقة
"القزازين" يأملون عودة السياح إلى ورشاتهم

ويقول تلمساني، إن البيوت الدمشقية قديما كانت أغلب نوافذها تصنع من الزجاج المعشق حيث يتمتع هذا النوع من الزجاج بخواص عازلة للصوت والحرارة والرطوبة، إضافة إلى ما يضفيه على داخل الغرف من ألوان جميلة أثناء النهار عبر انعكاس ضوء الشمس إلى داخل البيت في حين يعكس الضوء إلى الخارج ليلا فيعطي للنوافذ أجمل مظهر. ويشير تلمساني إلى وجود ثلاثة أنواع وأشكال من الزجاج المعشق المقترن بالخط العربي الذي يدخل برسوماته، لافتا إلى وجود قواعد صارمة للعمل فيه، فالدائرة مثلا يجري تلوينها بحيث يكون وسطها أحمر حصرا ثم البرتقالي، فالأخضر ثم الأصفر، وأخيرا الأزرق، أما الأشكال المضلعة فتبدأ من المربع وتنتهي بالشكل ذي الثمانية عشر ضلعا ويشمل الزخارف النباتية من أزهار وأغصان وغيرها وأخيرا الشكل الهندسي.

ويوضح تلمساني أن المعشق الدمشقي يختلف عن سواه من المعشق العربي لأنه يتمتع بوجهين متطابقين من خلال قطعة جص واحدة حيث يتم إدخال قطع الزجاج أثناء الصب في القالب وتكون النافذة ذات وجهين متطابقين لتتحمل عوامل المناخ ما يجعل العمل يتميز عن غيره من الزجاج المعشق ذي الوجه الواحد.

ويرى الحرفي نضال الهاشمي أن ما يميز الزجاج المعشق هو دقة العمل والألوان وتناسقها من خلال قطع الزجاج التي يتم رصفها ووضعها في مكانها المناسب حسب اللوحة مع إدخال قضبان الرصاص بين الزجاج وشرائط النحاس والقصدير بشكل يدوي دقيق الأمر الذي يحتاج إلى إبداع وخيال من الحرفي، لافتا إلى أن القطعة الفنية التي يقوم بتنفيذها تختلف من مكان إلى آخر حسب طبيعته سواء في المنازل أو المساجد أو الكنائس أو القبب.

ويؤكد تلمساني أن الزجاج المعشق مازال ينال إعجاب الدمشقيين واليوم يدخل في استعمالات عدة ولم ينافسه الزجاج الحديث، لأن الراغبين فيه اليوم كثر ولا سيما بعد ازدياد استخدامه في مجالات كثيرة منها ديكورات الصالونات في الفيلات والشقق لاستحضار التراث الشرقي، بالإضافة إلى استخداماته في اللوحات الجدارية والأسقف المستعارة والثريات والكلوبات وغير ذلك من استعمالات المعشق.

وعن مراحل صنعه يقول تلمساني إنها تبدأ بصب قطعة الجص حسب القياس المطلوب وبعد جفافه يرسم الحرفي عليها الرسمة المطلوبة ثم يجري تفريغ الشكل بواسطة المثقب والمنشار اليدوي، ثم ينظف الشكل ويقلب على الوجه الثاني وتوضع قطع الزجاج حسب الرسم على الفراغات في الشكل، ثم يصب الجص الطري على هذا السطح، فيملأ المسامات المحدثة بين قطع الزجاج وبذلك تلتصق قطع الزجاج ببعضها ثم يلتصق الكل بالجص وبعدما يجف يمسح برفق فتظهر قطع الزجاج وتكون بذلك نهاية العمل.

أقدم الحرف الدمشقية العريقة
أقدم الحرف الدمشقية العريقة

وفي ما يخص الزجاج المعشق الدمشقي يصنع قالب للرسم المطلوب وتكون زوايا القطع للقالب مدروسة حسب الارتفاع الذي ستكون عليه النافذة وبعد انتهاء القالب يجمع ويثبت ويحصر بإطار من مادة الخشب أو أي مادة أخرى ويصب القالب بعد دهنه بالعازل بمادة الجص السائل وينتظر ما يقارب ثلاثين دقيقة ثم يفك القالب وتوضع قطع الزجاج ثم يصب السائل حوله ليملأ الفراغات وبذلك يصبح جاهزا.

ويقول الهاشمي “أثناء تنفيذ لوحاتي وتصميماتي أعمل على أن تكون متناسبة مع مصدر الضوء سواء الشمس أو الإضاءة الداخلية ما يزيد المكان رونقا وجمالا وأستخدم قطع الزجاج اليدوي الذي أكون قد أحضرته للوحة وبألوان متعددة إضافة إلى قضبان الرصاص وبعض المركبات الكيمياوية لأعمال التشطيب النهائي وبذلك تكون اللوحة قد نفذت بالكامل يدويا”.

ويدعو الهاشمي في الختام إلى الاهتمام بما تبقى من حرف وحرفيين وخاصة التراثية منها وذلك من خلال توفير المواد الأولية التي أصبح الحصول عليها صعبا جدا وبأسعار مرتفعة وإعفاء الحرفي من الرسوم الجمركية.

 

20